Photo: Amal,Berlin
24. Februar 2020

هجوم هاناو الإرهابي.. مشاهد من المدينة بعد الصدمة!

عناصر الشرطة تحاوط مخرج المحطة الرئيسية لمدينة هاناو، الشوارع خالية سوى من بعض الأطفال الذين يرتدون ملابس تنكرية في طريقهم غالبًا إلى كرنفال فرانكفورت، شعور مهيمن بالوحشة انتابنا، أهكذا تبدو مدينة شهدت واحدة من أبشع الجرائم قبل أيام فقط؟ كان علينا السير لمدة نصف ساعة إلى جمعية هاناو الإسلامية حيث سنلتقي بإمام المسجد، لا يوجد مواصلات، أمر آخر استغربناه! مبنى الجمعية عادي جدًا مع تصميم لواجهته يوحي بأنه مكان عبادة، انتظرنا كغيرنا من المراسلين الصحفيين حتى انتهاء الإمام من الدعاء، الملفت أنه لم يكن هناك شرطة لحراسة المكان، رغم وعد وزير الداخلية هورست زيهوفر بحماية مثل هذه الأماكن.

المدينة الهادئة والصدمة

“نحن في حالة صدمة، فهاناو مدينة جميلة ومنفتحة على الجميع، يعيش فيها أناس من خلفيات دينية وعرقية متنوعة، نتشارك جميعًا العديد من المناسبات والفعاليات، ليفاجئنا جميعًا الهجوم على المسلمين قبل ثلاثة أيام”.. بهذه الكلمات عبر لنا إمام الجمعية الإسلامية مصطفى ماجد بوتسكورت عن مشاعره تجاه الحادث! وبعكسه لم تشعر الطالبة الألمانية (تيريزا. س) بالصدمة وأضافت: “بصراحة المرعب في الأمر أنني لم أصدم بالحدث، فهجوم هاله وغيره من الأحداث العنصرية في ألمانيا مؤخرًا توحي بأنها ممارسات يمينية متطرفة ستتكرر في مناطق مختلفة”.

لسنا عمال ضيوف بعد الآن

بهلول يلمظ

استهداف مقاهي الشيشة دفع الناس للخوف من التواجد في أماكن عادية، وليست دور للعبادة سواء كانت مساجد أو كنائس أو معابد يهودية (والذي هو مروع أيضًا)، فالكثير من العائلات لديها تخوف الآن من إرسال أبنائهم للمدارس، كما قال بعضهم للمستشار الروحي بمركز Hospiz Hanau بهلول يلمظ (63سنة)! وتساءل يلمظ: “إلى متى سنظل أجانب، أنا أعيش في ألمانيا منذ ما يزيد على 40 سنة، بنينا هذا البلد معًا، لماذا يتم اعتبارنا غرباء بعد وجودنا لأكثر من 50 عامًا؟ نحن نعمل مع الدولة والكنيسة، ولسنا عمالًا ضيوفًا بعد اليوم”، ويضيف الإمام مصطفى بوتسكورت: “نحن هنا مواطنون، ولدنا وكبرنا هنا، الضحايا ولدوا وعاشوا هنا، بنينا المدينة معًا وعملنا معًا من أجلها، نحن جزء من المدينة، وجزء من البلاد ونريد أن نكمل حياتنا هنا”.

العنصرية ضد المسلمين والميديا

الطالبة تيريزا. س التي تدرس في فرانكفورت وجاءت إلى هاناو للمشاركة بالمظاهرة للتنديد بجرائم اليمين المتطرف، لم تعفي وسائل الإعلام من مسؤليتها تجاه ما حدث ويحدث، بالطبع تتعاطف هذه الوسائل عقب وقوع أي حادث وكذلك الساسة، ولكن من ناحية أخرى “تخدم وسائل الإعلام وبشكل بليغ وأحيانًا غير مباشر، الأجواء اليمينية في البلاد، حتى الجرائد الليبرالية غير بعيدة عن ذلك، فأقرب مثال قيام جريدة تسايت بنشر استطلاع رأي تسأل فيه الجماهير عن رأيها حول ما إذا يجب أن يتم إنقاذ اللاجئين؟ أم تركهم يموتون؟ وكيف ستسير الأمور في حال إنقاذهم! وتكمن المشكلة هنا في إنهم طرحوا مسألة هامة كهذه للتساؤل وهو بالطبع أمر يجهز الأجواء لمثل هذه الأوضاع”!

مراد تيبيك

المستشار يلمظ لم يكن راضياً عن دور الميديا حيث قال: “لا يلبث حادث إرهابي أن يقع حتى تمتلئ الميديا بجملة الإرهاب الإسلامي، بالإضافة لوضع حانات الشيشة في صور نمطية معينة في الإعلام رغم أن التدخين قانوني في ألمانيا، بل وحتى في الحياة العديد من حالات العنصرية حيث يمكن للمسلمين التسوق ولكن لا يسمح لفتاة ترتدي الحجاب أن تعمل محاسبة أو في الصفوف الأمامية بمتجر ما! أليست هذه عنصرية؟”. أما عضو الجمعية الإسلامية مراد تيبيك فقال أنه لاحظ تغير الأجواء خلال السنوات الخمس الأخيرة: “المزيد من العزلة للجمعيات الإسلامية، بالإضافة للتحديق بالمحجبات بالشوارع، بل حتى النكات على السوشيال ميديا أصبحت أكثر تطرفًا”، يعترف تيبيك أن هذه الأحداث فردية، لكن في النهاية أولئك الناس لديهم جمهور وينظمون أنفسهم على السوشيال ميديا، ويجب على السياسيين ووسائل الإعلام اتخاذ موقف واضح وصريح حسب وصفه.

العائلات ورد فعل الحكومة

الإمام مصطفى بوتسكورت

الإمام مصطفى بوتسكورت وصف رد فعل الحكومة بعد الهجوم الإرهابي الأخير بغير الكافي، فالخطوة الأولى تمثلت في التعازي والشعور بالأسف والوعود بأن الوضع سيتحسن.. “يجب أن يكون هناك خطوات أخرى واضحة تضمن أمننا كمسلمين أو يهود أو أي أحد معرض للخطر، يجب أن نشعر بأننا آمنين، عليهم أن يستمعوا إلينا، وأن يحددوا المشكلة وأن يهتموا بها”، وبسؤاله حول ما إذا كانت الحكومة أو بعض الجمعيات قد عرضت أي مساعدة نفسية للضحايا، نفى بوتسكورت ذلك على حد علمه وأضاف: “أعرف عائلات الضحايا وهم في حالة صدمة، لم تعرض أي مساعدة نفسية عليهم، فقط نحن كمساجد ومجتمعات مسلمة سنساعدهم، نحن قريبون منهم، لقد تم تجاهل العائلات من قبل السياسيين، نسوا عوائل الضحايا وهم من يجب مساعدتهم الآن وتوفير الدعم النفسي لهم وعلاجهم من الصدمة”.

الاعتراف بالإسلام بألمانيا

من الواضح أن الإشكالية ليست إشكالية “عمال ضيوف” أو “صور نمطية” فقط، قال المستشار يلمظ وأضاف: “يجب الاعتراف بالإسلام كدين في ألمانيا، وعندها يمكن التعريف بالإسلام بالمدارس من مرحلة الحضانة وحتى الجامعة، هكذا سيعرف المجتمع عن المسلمين أكثر، ثم هناك مشكلة وضع المؤسسات والجمعيات الإسلامية تحت رقابة لجنة حماية الدستور، وهي منظمات تعمل في ألمانيا منذ عقود، يجب إعفاءها من الرقابة وتوفير الدعم المادي والمباني لها لتتمكن من تقديم المزيد من العطاء للمجتمع، إذ لا يمكن بناء جسور التواصل من قبل طرف واحد في المجتمع، جسور الثقة تبنى من جميع الأطراف”.

هل من سبيل لمواجهة كراهية المسلمين؟

الحديث عن العنصرية ضد المسلمين نادر في وسائل الإعلام رغم تكرار الحوادث كما رأى الإمام مصطفى بوتسكورت وأضاف: “من المهم أن يحظى الأمر بمزيد من الإهتمام، وأن يعرف الجميع أن المسلمين يتعرضون للهجوم كونهم مسلمين وأصحاب ديانة أخرى، وأن هذا يكلفهم حياتهم، فبالإضافة إلى وجوب الاعتراف بوجود المسلمين كجزء من ألمانيا، لابد أيضًا من اتخاذ الإجراءات الصحيحة التي تساعد على العيش بأمان وأن يدعم الساسة ذلك ويقفوا وراءه”. وحول إيجاد علاج للمشكلة عول بوتسكورت على الإجراءات الوقائية والتي قصد بها مواجهة العنصرية من خلال التربية والتعليم: “كلما كان ذلك مبكرًا، كلما كان أفضل، يجب أن نعلم الأطفال بأن الاختلافات هي بمثابة إثراء لمجتمعنا كله، فلا يهم دين الشخص أو خلفيته الثقافية، كلنا ولدنا هنا، وكبرنا هنا، وعملنا معًا”، وشدد الإمام على دور الإعلام في هذه النقطة، خاصة بالنسبة لقضايا كراهية المسلمين ومعاداة السامية، فهما مشكلتان كبيرتان في ألمانيا بالإضافة للأشكال الأخرى من العنصرية.

التضامن يخفف وطأة المأساة

كانت الطرق مغلقة حول مقهى Midnight مسرح الحدث، تواجد كثيف للشرطة بالمنطقة المحظورة، الورود والشموع تملأ الساحة، وبينها صور بعض الضحايا. الناس يتوافدون من كل مكان، بعضهم وضع الزهور وأشعل شمعة، رجل ثلاثيني من أقارب أحد الضحايا كان يضرب رأسه بعامود إنارة على قارعة الطريق.. كان نحيب قريبات وأمهات الضحايا يدمي القلوب، جيم أزدمير وقف صامتًا بوجه خال من أي تعبير. تسربلنا بصمت بين تلك الجموع الحزينة، كأن أرواح الضحايا كانت تهيم في المكان. لا نعرف من أين أتى لاحقاً كل هؤلاء للتظاهر وسط المدينة، بدى المشهد كسيل جارف من المتظاهرين الذين هتفوا ضد العنصرية واليمين المتطرف، أثار انتباهنا لافتات وضعت عليها صورة السياسي الألماني من SPD تيلو زارتسين، مع صور لأعضاء حزب البديل، وهو الرجل المعروف بأرائه المعادية للمسلمين ووجودهم في ألمانيا! انخرطنا في صفوف المتظاهرين الذين وصل عددهم لأكثر من 6000، شعرنا ببعض الطمأنينة بوجود الأطفال والمراهقين، فربما يشهد المستقبل عنصرية أقل وتقبل أكثر ومساحة للجميع. غادرنا هاناو بإحساس أفضل من ذاك الذي انتبانا لحظة وصولها..

لقطات من هاناو بعدسة أمل برلين/ هامبورغ

previous arrow
next arrow
Slider

خلال مظاهرة هاناو ضد العنصرية وإكرامًا للضحايا

الآن: مظاهرة حاشدة في مدينة هاناو، احتجاجا على تصاعد المد اليميني المتطرف، وإكراما لضحايا هاناو الذين قتلوا قبل يومين على يد إرهابي يميني متطرف

Gepostet von Amal, Berlin am Samstag, 22. Februar 2020

إعداد وتقرير: أسماء يوسف – عبد الرحمن عمرين