غورليتسر بارك: بين المخدرات والأمن.. من يحمي الفضاء العام في برلين؟
يُعد متنزه (Görlitzer Park) في حي كرويتسبرغ ببرلين وجهة يومية حيوية للتنزه والرياضة، وبالوقت ذاته يعتبر مسرحاً دائماً لتجارة المخدرات وجرائم العنف. هذا التناقض أثار الكثير من الجدل حول سبل حماية الفضاء العام دون تصدير الأزمة إلى الأحياء المجاورة. ما يجعل غورليتسر بارك محط أنظار اليوم ليس فقط الجرائم أو السوق غير القانوني للحشيش والمخدرات، بل مجموعة من التغييرات. سياج جديد، وبوابات مغلقة ليلًا، وحراسة خاصة، ومحادثات سياسية حادة بين حكومة برلين والمسؤولين في كرويتسبرغ. بحسب (Entwicklungsstadt) تبلغ تكلفة السياج والبوابات بين 1.8 و 2 مليون يورو، و تُقدَّر تكلفة الحراسة الخاصة بما يقارب 800 ألف يورو سنويًا، مما جعل هذا المنتزه “اختبارًا رمزيًا” لكيفية التعامل مع الفقر، والهجرة، والإدمان، والأمن في آن واحد.
جرائم تُسجَّل قبل الإغلاق
بحسب الرد الرسمي الصادر عن حكومة الولاية في برلين على استجواب برلماني نُشر في مارس/آذار 2026 (الوثيقة البرلمانية رقم S19-25259)، سُجّلت في متنزه غورليتسر 686 جريمة خلال عام 2025، بعد أن بلغ العدد 994 جريمة في عام 2024 و1,375 جريمة في عام 2023. وتُظهر الأرقام الرسمية أن الانخفاض في عدد الجرائم بدأ قبل بدء الإغلاق الليلي في مارس/ آذار 2026، وهو ما تستخدمه أطراف معارضة للتشكيك في ربط التراجع ببناء السياج أو الحراسة الخاصة وحدهما. في ظل هذه الأرقام ، تقف أمّ في أواخر العشرينيات تُمسك بيد طفلها، وتصف المنتزه بقولها: “إنه مكان للعب، لكنه لم يعد مريحاً كما كان”. وعلى الرغم من ارتيادها الحديقة لكونها مساحة مفتوحة للجميع، إلا أنها تفضل تجنب زوايا معينة عند رؤية مجموعات تثير ريبتها، أو حين تستحضر قصص السرقات والاعتداءات التي تناهت إلى مسامعها من الجيران.
تجارة المخدرات وسط الأرقام
في عام 2025، صُنّفت 400 جريمة من أصل 686 كـ”جرائم أخرى”، وهي فئة تضم جزءًا كبيرًا من الجرائم المرتبطة بمخالفات قانون المخدرات والإقامة. هذا لا يعني أن جميع هذه الجرائم عنف مباشر، بل يعكس تركيزًا قويًا على ضبط الباعة والمشترين، وسط مساحات مفتوحة يصعب مراقبة كل زاوية فيها. على الجانب الآخر، يصف شاب في منتصف الثلاثينيات ما يسميه “الاقتصاد الموازي”، الذي يعتمد عليه كثير من المقيمين. يقول إن الضغط الأمني في السنوات الأخيرة لم يُغلق السوق، بل جعله أكثر خفاءً وتشتتًا، ودفعه إلى العمل بسرعة أكبر. وتحويل صفقاته إلى شوارع مجاورة في أوقات التواجد الأمني الكثيف.
ليل ونهار الحديقة تحت العدسة
وتُظهر الإحصاءات أن 148 جريمة من أصل 686 في عام 2025 وقعت ليلًا بين الساعة 22:00 و06:00، مقابل 532 جريمة نهارًا. وفي عام 2024، بلغ عدد الجرائم الليلية 275 جريمة من أصل 994، ما يعني أن نشاط الجريمة لا ينحصر في الظلام، بل يمتد إلى ساعات النهار التي يستخدم فيها السكان والعائلات الحديقة للترفيه والرياضة. وهنا تلتقي الإحصاءات مع مخاوف الأم الشابة، التي تقول إن خوفها الأكبر هو في “النهار”، عندما ترى أشخاصًا مشبوهين يأتون إلى المكان، وتشعر بأن الحديقة لم تعد مساحة للجميع، بل مسارًا لتجارة غير معلنة.
يوميات الباعة: الضغط والهروب
يرى البائع الشاب في الإغلاق الليلي خطوة تُكرّس مأساته: “الحديقة تُغلق، لكن السوق لا يتوقف، فقط يبتعد قليلًا، ويخترق أحيانًا شوارع جديدة”. ويشبّه وضعه بـ”الجري في دوامة”، إذ يُلاحق اليوم ويُقبض عليه غدًا، ثم يُطلق سراحه، ويعود إلى نفس المكان، لأن الفرص الأخرى في سوق العمل قليلة، وخلفيته الاجتماعية تُقصيه من وظائف مستقرة. بالتوازي مع ذلك، تُظهر الأرقام أن 138 جريمة من 686 كانت جرائم عنف، و115 حالة سرقة بسيطة، و9 جرائم جنسية، و17 جريمة مالية، في عام 2025. هذه الأرقام تُقرأ بعينين مختلفتين: من جهة، تُستخدَم لدعم مزيد من الحراسة والسياج، ومن جهة أخرى، تُستدعَى كدليل على أن التحدي الأكبر لا يكمن فقط في التجارة، بل في بيئة مهيّجة للعنف اليومي، يُضاف إليها الشعور المتصاعد بانعدام الأمان بين الأشخاص الذين يُفترض أنهم يلجأون إلى الحديقة للهرب من ضجيج المدينة، لا إلى تحمّل مخاطر جديدة.
أمّ تعيش الجدل بين الحقيقة والأرقام
الأم العشرينية، تُعبّر عن مأزقها في جملة بسيطة: “أنا لا أريد عالمًا خاليًا من المشاكل، أريد فقط مكانًا يمكنني فيه الجلوس دون أن أطلَب من أطفالي أن يُراقبوا ظهور الأشخاص من حولهم”. وترى أن الإجراءات الأمنية المُعلنة في وسائل الإعلام، من سياج وبوابات وحراسة، تبدو مُبهرَّجة، لكنها تخشى أن يتُحوّل المتنزه إلى مساحة مراقبة، لا مساحة حياة، في حين يظل الفقر والإدمان والهجرة غير المُنَظَّمة كما هما.
الشرطة بين الأمن والحدود
ضابط شرطة في أواخر الأربعينيات شرح لأمل برلين أن الانتشار الأمني في محيط غورليتسر بارك يهدف إلى “تقليل الجرائم اليومية، وتحسين الشعور بالأمن، واستعادة السيطرة على فضاء عام كان يُنظر إليه لسنوات كممر غير خاضع للقانون”. لكنه يقرّ بأن الإجراءات وحدها لا تكفي، وأنها لن تُعالج الفقر، أو التجزؤ السكاني، أو شبكات الإدمان، التي تُغذي السوق غير القانونية.
سؤال أكبر من الحديقة
في النهاية، لا يبق السؤال فقط عن غورليتسر بارك، بل عن الفضاء العام في مدينة مثل برلين: هل يمكن أن تُحمى الحديقة من دون أن تُدفع الأزمة إلى شوارع أخرى؟ وهل تُعدّ الحلول الأمنية بداية لمعالجة جذرية، أم فقط محاولة لنقل المشكلة من مكان إلى مكان، وتحويلها إلى شريط أرقام وصور مراقبة، في حين تبقى الأسباب الاجتماعية كما هي؟