في زيارة حملت أبعاداً سياسية واقتصادية متداخلة، برز لقاء الرئيس السوري أحمد الشرع بأبناء الجالية السورية في برلين كأحد أبرز محاورها، إذ شكّل مساحة مباشرة للاستماع إلى السوريين في المهجر وطرح تساؤلاتهم حول دورهم في المرحلة المقبلة، وإمكانية إعادة صياغة العلاقة بينهم وبين الدولة السورية على أسس أكثر واقعية وفاعلية. وقد طغى على اللقاء طابع النقاش المفتوح حول التحديات والفرص، وما يمكن أن يقدمه السوريون في الخارج من خبرات في سياق أي مسار مستقبلي.
وتزامن ذلك مع نقاشات أوسع شملت ملف عودة اللاجئين ومساعي تعزيز التعاون الاقتصادي بين الجانب الألماني والسوري، في ظل حديث عن برنامج تدريجي يمتد لثلاث سنوات، ودعم ألماني لمشاريع حيوية داخل سوريا، إلى جانب طرح مفهوم “الهجرة الدائرية” كأحد الحلول الوسط الهادفة. وفي خضم هذا المشهد، تصدّر الجدل حول نسبة إعادة 80% من السوريين في ألمانيا واجهة النقاش، قبل أن يسارع الرئيس الشرع إلى نفي هذه النسبة بشكل قاطع، مؤكداً أن ما نُسب إليه غير دقيق ولا يعكس موقفه الرسمي.
لقاء الشرع مع الجالية السورية.. شراكة لا تهميش
أجرَت منصة “أمل الإخبارية” حواراً مع عدد من الشخصيات التي حضرت اللقاء في برلين، كان من أبرزهم الدكتور المهندس سامر الرحال وربى القدسي، للتطلع على انطباعاتهم حول مخرجات هذا الاجتماع وتداعياته على واقع الجالية السورية في ألمانيا. وصف الدكتور المهندس سامر الرحال، وهو دكتور مهندس متخصص في المواد المركبة البوليميرية عالية التحمل، ومدير بحث وتطوير في قطاع الصناعات الكيميائية، إضافة إلى كونه مشرف حملة فداء لحماه الألمانية، وممثل المؤسسة الألمانية السورية للأبحاث في حماه وحمص، وعضو مكتب التعليم العالي في التجمع السوري في ألمانيا، اللقاء بأنه حمل “طابعاً سياسياً وإنسانياً مهماً”، مؤكداً أنه جاء في إطار تقريب المسافة بين الدولة السورية والسوريين في الخارج، وإعادة إدماجهم في المشهد الوطني.
الشرع والجالية السورية في برلين: هدف اللقاء
ويرى الدكتور الرحال أن الهدف الأعمق للزيارة لم يكن فقط الاستماع، بل “إرسال رسالة واضحة بأن السوريين في الخارج ليسوا خارج المعادلة، بل يمكن أن يكونوا جزءاً من المرحلة المقبلة، خصوصاً من الناحية الاقتصادية”. وعن سؤالنا عما كان يأمل من هذا اللقاء قال: “أن تتحول هذه اللقاءات إلى خطوات عملية لاحقا كتسهيلات واضحة، وبيئة أكثر استقرارا وفرص حقيقية للتعاون. لأن أبناء سوريه في ألمانية لديهم الكثير لتقديمه لكنهم ينتظرون إشارات جدية تعزز الثقة وتفتح المجال للعمل المشترك بشكل فعلي”.
وفي قراءة أكثر واقعية لطبيعة العلاقات بين دمشق وبرلين، يشير الدكتور الرحال إلى أن اللقاء مع المستشار الألماني “لا يمكن اعتباره صفقة اقتصادية بقدر ما هو كسرٌ لحالة الجمود”، مضيفاً أن ألمانيا “لا تتحرك بدافع العاطفة، بل وفق حسابات دقيقة، وما جرى هو رسالة اهتمام مشروطة”.
الاقتصاد أولاً: فرص مشروطة
اقتصادياً، تبدو سوريا بحسب الدكتور الرحال سوقاً واعدة، إذ تتجاوز تقديرات إعادة الإعمار مئات المليارات، مع احتياجات واسعة في قطاعات الطاقة والبنية التحتية والصناعات الصغيرة والمتوسطة. ومع ذلك، يستبعد دخولاً سريعاً للشركات الألمانية الكبرى، متوقعاً أن تبدأ العملية عبر مشاريع صغيرة ومتوسطة لاختبار البيئة الاستثمارية. غير أن السؤال الجوهري، كما يطرحه الدكتور الرحال، ليس ما الذي ستقدمه ألمانيا، بل ما الذي تستطيع سوريا تقديمه لضمان استثمار فعلي. فالمستثمر وخاصة الألماني يبحث عن بيئة قانونية مستقرة، وإجراءات واضحة، وضمانات حقيقية. بدون ذلك، تبقى الوعود حبراً على ورق.
ترحيل السوريين.. بين الطرح السياسي والواقع
أما فيما يتعلق بالحديث عن إعادة 80% من اللاجئين السوريين، فيرى الدكتور الرحال أن هذا الطرح “أُخرج من سياقه”، ويميل إلى كونه خطاباً سياسياً أكثر من كونه خطة قابلة للتطبيق. ويستند في ذلك إلى واقع سوق العمل الألماني، الذي يعاني أصلاً من نقص في اليد العاملة، خاصة في قطاعات حيوية كالرعاية الصحية والخدمات والبناء. وبالتالي، فإن أي ترحيل واسع النطاق قد يؤدي إلى فجوات يصعب تعويضها، وارتفاع في التكاليف، وتباطؤ اقتصادي. من جهة أخرى، تبقى مسألة العودة الطوعية إلى سوريا مرتبطة بمدى توفر بيئة اقتصادية واجتماعية مستقرة، وهو ما ما يزال وفق المعطيات الحالية غير مكتمل. فالعودة قد تكون ممكنة لفئات محددة، كالمستثمرين أو أصحاب الكفاءات، لكنها لا تبدو واقعية على نطاق واسع في الوقت الراهن.
الثقافة كجسر للتقارب
في موازاة البعد الاقتصادي، برزت أهمية الدور الثقافي والاجتماعي للجالية السورية، وهو ما أكدته ربى القدسي، مؤسسة ومديرة جمعية “دارنا” الثقافية. إذ شددت على أن اللقاء مع الرئيس الشرع أتاح مساحة حقيقية للجالية لطرح قضاياها “بوضوح وشفافية”، معربة عن أملها في أن يتحول هذا الحوار إلى خطوات ملموسة. وتؤمن القدسي بأن العمل الثقافي يشكّل جسراً أساسياً للحوار بين السوريين والمجتمع الألماني، مشيرة إلى أن فعاليات جمعيتها، التي تنطلق من شعار “دارنا تجمعنا”، نجحت في استقطاب جمهور متنوع، بما يعكس إمكانات التقارب الثقافي الحقيقي في مدن مثل فرانكفورت.
بين الدعم والتحديات
وعن سؤالنا إن كان هناك دعم كافٍ للمبادرات الثقافية في ألمانيا من قبل الدولة السورية، اجابت القدسي بأنه حتى الآن، لا يوجد دعم مباشر للمبادرات الثقافية السورية في ألمانيا من قبل الحكومة السورية. ومع ذلك، فقد سبق لجمعية دارنا تنظيم فعالية ثقافية في دمشق عام 2025 بالتعاون مع وزارة الثقافة السورية، والتي شكّلت بداية عمل مشترك وتعاون مستقبلي. وانطلاقاً من هذه التجربة، نتطلع إلى تطوير هذا التعاون من خلال إقامة فعاليات مشتركة في ألمانيا، بما يعزّز التواصل الثقافي ويعمّق الشراكة بين الجالية السورية والمؤسسات الرسمية.

