تشهد الساحة الثقافية في ألمانيا واحدة من أكبر أزماتها الحديثة بعد الجدل الذي أعقب الدورة الـ76 من مهرجان برليناله، حيث بات مستقبل مديرته تريشيا تاتل محل نقاش سياسي وإعلامي واسع، وسط انقسام حاد بين داعمي حرية الفن ومنتقدي تسييس المنصة الثقافية.
خطاب غزة يشعل الجدل
اندلعت الأزمة عقب حفل ختام المهرجان عندما ألقى المخرج الفلسطيني-السوري عبد الله الخطيب خطاباً اتهم فيه الحكومة الألمانية بالتواطؤ في “الإبادة الجماعية في غزة”، ما دفع وزيراً ألمانياً إلى مغادرة القاعة احتجاجاً. وأثار ردود فعل سياسية ودبلوماسية واسعة حسب وكالة الأنباء رويترز. وذكرت صحيفة غارديان أن الحدث تحوّل سريعاً إلى نقاش أوسع حول حدود التعبير السياسي داخل المؤسسات الثقافية الألمانية، خاصة مع ظهور صور لتاتل إلى جانب مشاركين يحملون رموزاً فلسطينية، الأمر الذي زاد الضغط عليها وعلى إدارة المهرجان.
اجتماع طارئ واحتمالات تغيير القيادة
على خلفية الأزمة ذكر موقع “دي فيلت”، أن وزير الدولة للثقافة فولفرام فايمر دعا إلى اجتماع استثنائي لمجلس الإشراف لمناقشة مستقبل المهرجان واتجاهه السياسي والثقافي. وتشير تقارير إعلامية إلى أن مستقبل تاتل أصبح موضع تقييم رسمي، رغم عدم صدور قرار نهائي حتى الآن. وبينما تحدثت بعض الصحف عن احتمال إنهاء مهامها مبكراً، نفت الجهات المشرفة اتخاذ قرار مسبق، مؤكدة أن النقاش يتركز أيضاً على هوية المهرجان ودوره في النقاشات السياسية المعاصرة.
انقسام سياسي وثقافي حاد
انتقد عمدة برلين كاي فيغنر استخدام المهرجان كمنصة لما وصفه بمواقف معادية لإسرائيل، مؤكداً ضرورة عدم السماح بتحويله إلى أداة دعائية سياسية. في المقابل، دعا سياسيون ومشتغلون في حقل الثقافة إلى التعامل مع تاتل “بعدالة وشفافية”، معتبرين أن التغطية الإعلامية لم تُنصف عملها الفني وإدارتها للمهرجان.
دعم واسع من صناع السينما
الأزمة لم تبقَ سياسية فقط؛ فقد وقع نحو 700 من صناع السينما رسالة مفتوحة تدافع عن المديرة وتؤكد أهمية استقلال المؤسسات الثقافية وحرية التعبير الفني. كما أكد موظفو المهرجان في بيان مشترك ثقتهم بقيادتها، مشيدين بكفاءتها والتزامها بقيم برليناله، ما يعكس انقساماً واضحاً بين الموقف السياسي وبعض الأوساط الفنية.
الدفاع عن حرية التعبير
من جهتها، شددت تاتل على أن المهرجان لم يسعَ إلى إسكات أي طرف، مؤكدة أن التعبيرات السياسية للفنانين تقع ضمن إطار حرية التعبير التي يكفلها القانون الألماني، وأن دور المهرجان هو إتاحة مساحة للحوار وليس فرض مواقف سياسية محددة.
أزمة أعمق من مجرد مهرجان
يرى مراقبون أن ما يحدث يتجاوز مصير مديرة مهرجان، ليكشف صراعاً أوسع داخل ألمانيا حول العلاقة بين الثقافة والسياسة، خصوصاً في ظل حساسية الموقف الألماني التاريخي تجاه إسرائيل وحدود النقاش العام حول حرب غزة. وبين ضغوط سياسية ومطالب بحماية حرية الفن، أصبحت برليناله مثالاً حياً على التحدي الذي تواجهه المؤسسات الثقافية الأوروبية عندما تتحول السينما إلى ساحة نقاش سياسي عالمي.

