Foto: Ehab Abdel Latif
21/02/2026

نورا أمين… حين يتحول الجسد إلى ذاكرة حية وطقس للشفاء

في عالم تتسارع فيه الخطى، وتثقل فيه الذاكرة الفردية والجماعية بندوب المنفى والعزلة والتمييز، تفتح الفنانة والباحثة المصرية نورا أمين باب الجسد للعودة إلى الذات. ليس الجسد بوصفه شكلاً أو أداة عرض، بل باعتباره حاملاً للذاكرة، ووعاء للهوية، ومساحة للمداواة.
فعلى مدى أكثر من اثنين وثلاثين عاماً من العمل في المسرح والأدب والرقص، نسجت نورا مساراً فنياً وفلسفياً بدأ من القاهرة، وامتد إلى عواصم العالم، لتؤسس رؤية تتجاوز الأداء إلى ما هو أعمق، باستعادة الوحدة بين الجسد والمشاعر، وبين الحركة والمعنى.

البدايات التي صاغت المسار

تعمل نورا أمين في مجالات المسرح والأدب والرقص منذ أكثر من ثلاثة عقود، حيث بدأت رحلتها من القاهرة بتأسيس فرقتها المسرحية الخاصة، واضعة نصب عينيها فكرة إزالة الحواجز بين عناصر التعبير الفني المختلفة.
فبالنسبة لها، لا ينفصل الأداء التمثيلي المعتمد على اللغة عن الحركة، ولا تنفصل المشاعر عن الجسد. بل إن الجسد هو الأصل، وهو المركز الذي تتفرع منه اللغة والانفعال والصوت. ومن هنا جاء مشروعها الفني الذي يسعى إلى إعادة الجسد كوحدة متكاملة، متصلة بذاتها، لا مجزأة بين عقل يشعر وجسد يؤدي.
ولم تكتفِ بالممارسة الفنية، بل عمّقت تجربتها عبر البحث الأكاديمي، حيث طورت منهجاً خاصاً استناداً إلى دراسات وأبحاث علمية قدّمتها في سياق تأسيس برامج ماجستير في الرقص. وهذا المنهج، الذي تطوره باستمرار، يشكل اليوم العمود الفقري لورشتيها الأساسيتين.

الجسد كحامل للذاكرة والهوية

تنطلق نورا من قناعة جوهرية قائلة: “إن الجسد ليس مجرد شكل، بل هو ذاكرة”. إذ تؤكد أمين أن الجسد يحمل آثار الخوف، وتجارب الانتماء، والاقتلاع، والعلاقات، والممارسات الثقافية. وكل حركة، مهما بدت بسيطة، تختزن تاريخاً شخصياً وجماعياً. ومن هنا طورت برنامجها المعروف باسم “الكيوغرافي”، وهو منهج ينقسم إلى مسارين تطبيقيين، يتجسدان في ورشتين مختلفتين، وهما: “الرقص من القلب” وورشة “طقس المداواة”.
في هذا البرنامج، لا تكون الحركة مجرد تدريب جسدي، بل فعل واعٍ يعتمد على التنفس، والإيماءة، والإيقاع، التي تعد كلها أدوات لاستعادة العلاقة بين الجهاز العصبي والذاكرة، ولخلق تجربة جديدة قادرة على تحويل الألم إلى معنى. فالرقص، في رؤيتها، ليس ترفاً فنياً، بل فعلاً سياسياً وثقافياً وروحياً في آن واحد.

حين يصبح الجسد جسراً للجذور

تُعد ورشة “الرقص من القلب” من أكثر الورشات التي تلقى إقبالاً في ألمانيا، وقد قُدمت على مدار سنوات في مدن ألمانية متعددة. تركز هذه الورشة على فكرة الجسد الراقص بوصفه جسراً للعودة إلى الهوية الأصلية، وإعادة زيارة الجذور الإنسانية والثقافية. فالجسد، كما ترى نورا، هو حامل للذاكرة والانتماء، وهو مساحة محفوظ فيها ما تم فقدانه أو قمعه أو نسيانه.
ولهذا استهدفت الورشة عدداً كبيراً من النساء ذوات الخلفيات المهاجرة، إذ وجدن في فكرة “العودة عبر الجسد” وسيلة لاستعادة ما انقطع من لغة، وذاكرة، وإحساس بالانتماء.
تعتمد نورا في هذه الورشة على بعض مفردات الرقص الشرقي، لا بوصفه قالباً فولكلورياً، بل باعتباره نظاماً رمزياً من الإيماءات. فالإيماءة هنا ليست حركة فحسب، بل إسقاط لمعنى وشعور.
وحين تتحرك المرأة، فإنها لا تؤدي شكلاً، بل تستدعي قصة. وهكذا يصبح الجسد الراقص تجسيداً لوحدة الهوية، ويصبح الرقص الجماعي فعلاً لإحياء ما فُقد، ومحاولة لمعايشة الحركة كفعل سياسي يستعيد الذات.

ورشة “طقس المداواة”

أما ورشة “طقس المداواة”، التي انطلقت قبل نحو خمس سنوات، فتستند إلى الطقس المسرحي بوصفه فعلاً جماعياً. هنا، تتشكل دائرة، والدائرة ليست شكلاً عابراً، بل رمزاً للمساواة والتوازن وتدوير الطاقة. في هذه المساحة، تتقدم أهمية التنفس، والمشاعر الجماعية، والتوحد مع المجموعة.
ولدت فكرة هذه الورشة في أعقاب جائحة كورونا، تلك الفترة التي عمّقت العزلة وأثقلت النفس البشرية بآثار نفسية واجتماعية واضحة. عندها تأكدت ضرورة المداواة، ليس فقط على الصعيد الجسدي، بل أيضاً من المعاناة النفسية المرتبطة بالعالم وما فيه من تمييز وعنف وضغوط مستمرة.
اختارت نورا كلمة “مداواة” بعناية. فهي لا تشير بذلك إلى الممارسة الطبية الحديثة، بل إلى حكمة الثقافات القديمة، وإلى الطقوس التي تعتمد على رحلة داخلية طويلة لاكتشاف الروح واحتضانها. ومن خلال الحركة والتنفس والوعي، تتحول الذكريات المؤلمة إلى ذكريات جديدة، يُعاد تشكيلها في سياق جماعي داعم.

 دعوة مفتوحة وتجربة قادمة

وفي ختام حديثها، تدعو نورا لعيش التجربة الجماعية. فالجسد حين يتحرك بوعي، يمتلك قدرة حقيقية على تحويل الذكريات المؤلمة. ومن خلال التنفس العميق، والربط بين الجهاز العصبي والذاكرة، يمكن خلق تجربة جديدة تعيد كتابة ما حدث، لا بإنكاره، بل بإعادة معايشته وتحويله.

تقام ورشة “الرقص من القلب” أونلاين يوم 8 آذار/مارس 2026، تزامناً مع اليوم العالمي للمرأة، ما يتيح المشاركة للنساء من أماكن مختلفة.
أما ورشة “طقس المداواة” فستقام يوم 13 آذار/مارس 2026 من الساعة 18:00 حتى 19:30 في مقر Global Music Academy في برلين.

نيرمين كربوج

Amal, Berlin!
Privacy Overview

This website uses cookies so that we can provide you with the best user experience possible. Cookie information is stored in your browser and performs functions such as recognising you when you return to our website and helping our team to understand which sections of the website you find most interesting and useful.