أثار إعلان تنظيم فعالية في برلين تستضيف المقرّرة الخاصة للأمم المتحدة للأراضي الفلسطينية المحتلة فرانشيسكا ألبانيزي موجة جدل سياسي وثقافي حاد، بعد مطالبة السفير الإسرائيلي في ألمانيا رون بروسور بإلغاء الحدث، في حين تمسّك المنظمون بإقامته رغم الانتقادات المتزايدة.
خلفية الأزمة
بحسب تقرير نشرته صحيفة تاغسشبيغل، من المقرر أن تُعقد الفعالية في سينما Babylon Kino نهاية مارس/ آذار، ضمن عرض فيلم ونقاش عام حول الشرق الأوسط، وقد بيع بالفعل عدد كبير من التذاكر. إلا أن الدعوة أثارت اعتراضات سياسية واسعة، إذ وصف السفير الإسرائيلي الحدث بأنه “فضيحة”، مطالبًا بإلغائه بحجة أن تصريحات ألبانيزي السابقة تتجاوز النقد السياسي المشروع وتعيد إنتاج روايات معادية لليهود.
انتقادات سياسية وأكاديمية
الجدل لا يقتصر على الموقف الدبلوماسي؛ فقد واجهت ألبانيزي في السنوات الأخيرة انتقادات بسبب تصريحاتها حول الحرب في غزة ووصفها إسرائيل بدولة “فصل عنصري”، إضافة إلى مواقف اعتبرها منتقدون تبريرًا لهجمات السابع من أكتوبر 2023. وقد دفعت هذه المواقف سياسيين ألمانًا ومسؤولين إلى التشكيك في ملاءمة استضافتها في فعاليات ممولة جزئيًا من أموال عامة.
كما طال الجدل السلطات الثقافية في برلين، إذ أشارت إدارة الثقافة في المدينة إلى أن الحدث “صعب التحمّل” بالنسبة لكثيرين، لكنها أكدت في الوقت نفسه أن حرية الفن والتعبير تحمي إقامة مثل هذه الفعاليات ما لم تخالف القانون بشكل واضح.
حرية التعبير أم مسؤولية سياسية؟
يمثل الخلاف نموذجًا للصراع المتزايد في ألمانيا بين حماية حرية التعبير من جهة، ومكافحة معاداة السامية من جهة أخرى. فبينما يرى منتقدو الحدث أن استضافة شخصية مثيرة للجدل تمنح منصة لخطاب إشكالي، يؤكد المدافعون عن الفعالية أن النقاش المفتوح حول السياسات الدولية يجب أن يبقى ممكنًا داخل الفضاء الثقافي حسب ما جاء في موقع أمنيستي.
وقد سبق أن أُلغيت فعاليات مشابهة لألبانيزي في برلين لأسباب أمنية أو نتيجة ضغوط سياسية، ما يعكس حساسية النقاش المرتبط بالحرب في الشرق الأوسط داخل المجتمع الألماني.
انعكاسات أوسع على المشهد الثقافي
القضية تتجاوز حدثًا واحدًا، إذ تعكس حالة استقطاب متزايدة في المؤسسات الثقافية والأكاديمية الألمانية، حيث أصبحت الفعاليات المرتبطة بالصراع الفلسطيني-الإسرائيلي اختبارًا صعبًا للتوازن بين الحرية الأكاديمية والمسؤولية السياسية. ويرى مراقبون أن مثل هذه الأزمات ستتكرر، خاصة مع تصاعد النقاش العام حول السياسة الخارجية الألمانية ودورها في الشرق الأوسط.
تكشف أزمة استضافة ألبانيزي في برلين عن تعقيد المشهد السياسي والثقافي في ألمانيا اليوم، حيث تتقاطع الدبلوماسية مع الثقافة وحرية التعبير مع حساسيات تاريخية عميقة. وبين مطالب الإلغاء والتمسك بالفعالية، تبقى برلين ساحة مفتوحة لنقاشات عالمية تعكس انقسامات أوسع داخل أوروبا.

