Foto: Canva Pro
28/01/2026

بعد البطالة في سوق العمل الألماني: أزمة اقتصادية وتجارب فردية تكشف الوجه الآخر لألمانيا

لم يعد القلق من البطالة في ألمانيا مجرد هاجس عابر، بل أصبح واقعاً ملموساً يعيشه ملايين المواطنين والمقيمين. فقد تجاوز عدد العاطلين عن العمل في ألمانيا حاجز الثلاثة ملايين شخص، وهو رقم لم تشهده البلاد منذ أكثر من عقد. ويأتي هذا الارتفاع في ظل أزمة اقتصادية تضرب قطاعات واسعة، وتراجع ملحوظ في فرص العمل المتاحة.

بريمن وبرلين في صدارة الولايات الأعلى بطالة

تتصدر ولايتا بريمن وبرلين قائمة الولايات الألمانية ذات أعلى معدلات البطالة، ما يعكس تفاوتاً إقليمياً كبيراً في فرص التوظيف. ويبدو هذا التحدي أكثر وضوحاً بالنسبة للخريجين والوافدين من خلفيات ثقافية مختلفة، الذين يواجهون صعوبة مضاعفة في دخول سوق العمل.

تفاؤل حذر مع بداية الخريف

ورغم الصورة القاتمة، يشير مؤشر سوق العمل الصادر عن معهد أبحاث سوق العمل والمهن إلى احتمال حدوث تحسن تدريجي خلال فصل الخريف، حتى في ظل التوقعات الاقتصادية المتشائمة.

التوظيف غير المعلن: فرص خلف الأبواب المغلقة

مع تقلص عدد الوظائف الشاغرة، تلجأ شركات ألمانية متزايدة إلى ما يعرف بـ”التوظيف غير المعلن”، حيث تختار المرشحين عبر الشبكات المهنية والعلاقات الشخصية بدل الإعلان المفتوح. هذا الأسلوب يزيد من صعوبة الوصول إلى الفرص، خصوصاً بالنسبة للوافدين الجدد الذين يفتقرون إلى شبكة علاقات محلية.

تجارب شخصية: الشهادات الألمانية لا تكفي

زاهر، القادم من مدينة حلب، حاصل على بكالوريوس في الاقتصاد من جامعة حلب وماجستير في إدارة الأعمال من جامعة كاسل، قضى عاماً كاملاً يبحث عن وظيفة ضمن مجال تخصصه دون جدوى. فقط بعد توسيع دائرة بحثه لتشمل مدناً ألمانية أخرى، تمكن من الحصول على فرصة عمل في Familienkasse.

أما يزن دسوقي، الحاصل على الجنسية الألمانية، فأكمل Weiterbildung في المحاسبة بتفوق، ورغم شهاداته القوية، تلقى رفضاً متكرراً. يعتقد يزن أن اسمه العربي ربما لعب دوراً أكبر في ذلك من الوضع الاقتصادي نفسه.

وصفاء العدوان، التي قدمت إلى ألمانيا بمنحة DAAD ودرست ماجستير العلاقات الدولية والاقتصاد الأوروبي، واجهت صعوبة في العثور على عمل في تخصصها. بعد سنوات من التنقل بين الولايات والمقابلات التي لم تفضِ إلى قبول أو رفض، قررت تعزيز مؤهلاتها بشهادات إضافية وخبرة عملية اكتسبتها في الأردن، ما ساعدها لاحقاً في دخول سوق العمل.

لم تتوقف صفاء عند هذا الحد، بل تابعت دراستها الأكاديمية، وحصلت على ماجستير ثانٍ ثم دكتوراه في إدارة الأعمال، لتعمل حالياً كمستشارة في تطوير الأعمال (Business Development Beraterin). ومع ذلك، ما تزال تشعر بعدم الأمان الوظيفي، وتواجه تمييزاً كونها امرأة محجبة وأماً، ما دفعها في النهاية إلى اتخاذ قرار العودة إلى الأردن.

العمل من الخارج: التخصص يصنع الفارق

جميل، مهندس برمجيات يعيش خارج ألمانيا، يشير إلى أن فرص العمل تختلف جذرياً حسب التخصص. فالمجالات الرقمية مثل الهندسة البرمجية والتصميم تتيح العمل عن بعد، بعكس مجالات أخرى. ويضيف أن بطاقة الفرص “Chancenkarte”، التي تمنح إقامة لمدة عام للبحث عن عمل، تشهد إقبالاً كبيراً، ما يزيد المنافسة في سوق العمل الألماني. ورغم خبرته الكبيرة وخوضه عدداً من المقابلات، لم يتمكن جميل حتى الآن من الحصول على وظيفة فعلية داخل ألمانيا.

بين القوانين والفرص: كيف يجد الوافدون إلى ألمانيا طريقهم في متاهة سوق العمل

عندما يصل الإنسان إلى ألمانيا، يواجه أول تحدٍ حقيقي في حياته المهنية: سوق عمل يبدو أحياناً كمتاهة من القوانين واللوائح والإجراءات المعقدة. لكل وافد قصته الخاصة، ولكل تجربة صعوباتها وفرصها، لكن هناك من يجد النور وسط هذه المتاهة عبر التوجيه المهني والتدريب المتخصص.

يقول خبير التدريب في DFV Mentoring إنريكو سوتشي “نركز على خلق وعي حقيقي لدى الأشخاص بسوق العمل الألماني، من القوانين والإجراءات إلى العادات المهنية المحلية. ولكن أهم من ذلك هو اكتشاف نقاط القوة التي يمتلكها كل شخص، والتي غالباً لا يدرك قيمتها في السياق المهني.

ويضيف بأن جلسات التدريب في DFV Mentoring تُقدم أيضاً بعدة لغات تشمل: العربية، الأوكرانية، التركية، الفارسية، الهندية، الفيتنامية، الإنجليزية، الفرنسية، الإيطالية، الإسبانية، البولندية، الروسية، البلغارية، والرومانية. ويؤكد سوتشي أن هذا التنوع اللغوي لا يسهل التواصل فحسب، بل يمنح كل مشارك شعوراً بالثقة، ليتمكن من التعبير عن قدراته بحرية.

من خطة واحدة إلى التفكير خارج الصندوق: سر النجاح في سوق العمل

أحد أبرز التحديات التي يواجهها الباحثون عن عمل هو التركيز على وظيفة واحدة فقط، دون النظر إلى البدائل المهنية. هنا يأتي دور المختص، الذي يساعد المشاركين على تطوير خطط متعددة،  خطة “أ”، خطة “ب”، وحتى خطة “ج”، لفتح أبواب جديدة أمام مساراتهم المهنية من خلال دورات تدريبية محددة، دراسات جامعية، أو برامج تأهيلية متخصصة.

لكن الأمر لا يقتصر على تعدد الخطط فحسب، بل على القدرة على التفكير خارج الصندوق. أولئك الذين نجحوا رغم الصعوبات تجاوزوا حدود الخوف من الفشل، وطوروا رؤية إيجابية تركز على الفرص. أحياناً تتطلب هذه الرحلة طرقاً ملتوية، لكنها تمنح المتدرب خبرة أكبر، وملاءمة أفضل لسوق العمل، واكتساب مهارات جديدة تزيد من فرص النجاح على المدى الطويل. بالإضافة إلى ذلك، تقدم شركة DFV Mentoring دعماً مخصصاً للأشخاص الذين يواجهون تحديات جسدية أو عقلية ضمن إطار التدريب الصحي.

الاقتصاد الألماني: تحدٍ وفرصة في آن واحد

الوضع الاقتصادي الراهن في ألمانيا يشكل تحدياً كبيراً، خصوصاً للخريجين والوافدين الجدد. لكنه أيضاً فرصة لإعادة التفكير في المسار المهني، وتطوير المهارات، والتعلم المستمر. كما يشير خبير التدريب: “اليوم أكثر من أي وقت مضى، يحتاج الباحث عن عمل إلى المرونة والتفكير بطرق بديلة. التحلي بالقدرة على التعليم المستمر وتوسيع الأفق المهني هو ما يفتح أبواب سوق العمل ويؤمن التكامل المهني” .

ريتا محليس

Amal, Berlin!
Privacy Overview

This website uses cookies so that we can provide you with the best user experience possible. Cookie information is stored in your browser and performs functions such as recognising you when you return to our website and helping our team to understand which sections of the website you find most interesting and useful.