Foto: Rita Mahlis
13/12/2025

بين برلين وبيرزيت، نجاة عبد الحق ابنة الهويتين وجسر بين ثقافتين

نجاة عبد الحق تجد نفسها بين عوالم مختلفة، بل ثلاثة عوالم: فلسطين، حيث ولدت وترعرعت بين تلالها الخضراء، وألمانيا التي أخذت منها اللغة والانفتاح والقوة. وبرلين التي أصبحت بالنسبة لها منزلاً ثانياً.  ورغم ذلك، عادت إلى فلسطين في “اللحظة الصحيحة” حين شعرت أن الوقت قد حان، كما تقول.

هي فلسطينية بكل ما تعنيه الكلمة من أصالة تلال نابلس، وألمانية بقوة وعزيمة مكتسبة، لكن عندما تُسأل عن هويتها، ترد بابتسامة: “بالروح والقلب والتفكير، أنا أكثر من نصف فلسطينية ” جذورها ممتدة بين نابلس وألمانيا، إذ ولدت لأب فلسطيني وأم ألمانية، جاءت إلى فلسطين عام 1967 واستقرت هناك على مدار أكثر من خمسة وخمسين عاماً، وأصبحت فلسطينية بكل معنى الكلمة. تقول نجاة “في بيتنا تعتبر الهوية أفقاً واسعاً لا يقتصر على بلد واحد فقط. تعلمت أن الهوية ليست شيئاً متعارضاً، بل هي تنوع وتعدد يحتضننا جميعاً”.

رحلة اكاديمية كانت بوابة لعالمها المتنوع

شكلت مسيرتها الأكاديمية نافذة أخرى على عالمها المزدوج. حيث حصلت نجاة على بكالوريوس في الاقتصاد من جامعة بيرزيت في فلسطين، ودبلوم الدراسات العليا في الاقتصاد والعلاقات الدولية من جامعة لايبزيغ في ألمانيا. بعد عودتها إلى فلسطين رجعت نجاة مرة أخرى إلى ألمانيا لإكمال الدكتوراه  في الدراسات الشرق أوسطية، حيث حصلت عليها من جامعة إيرلنغن الألمانية عام 2012.

نجاة هي باحثة ومتخصصة في الاقتصاد والدراسات الشرق أوسطية. تحوّلت أطر وحتها لنيل درجة الدكتوراه عن دور الأقليات -اليهود واليونانيين – في الاقتصاد إلى كتاب “اليهود واليونان في مصر، ريادة الأعمال والشركات قبل عبد الناصر” باللغة الإنجليزية، ثم تُرجم إلى العربية ومن المتوقع صدوره قريباً في معرض القاهرة للكتاب.

من الإعلام إلى التدريب: مهنة متعددة الوجوه

دخلت نجاة عالم الإعلام صدفة، عندما انضمت إلى الفريق المؤسس لقسم DW العربي. هناك، قضت ثماني سنوات متنقلة بين غرفة الأخبار وإدارة المحتوى وصناعة التقارير. رغم أنها لم تدرس الإعلام بشكل رسمي؛ فبحسب اعتقادها الصحافي الجيد ليس شرطاً أن يكون خريج إعلام، بل أن يمتلك قدرة على التفكير النقدي ولديه رؤية واسعة.
وفي عام 2014 انتقلت إلى برلين، حيث أصبحت جزءاً مهماً من مهرجان الفيلم العربي. خلال هذه الفترة، بنت شبكة علاقات كبيرة مع فنانين وصحافيين وأكاديميين من خلفيات مختلفة. ورغم أنها توصف “بالعمدة” في برلين، إلا أن قلبها يبقى مشدوداً إلى فلسطين.

العودة إلى الجذور: قرار بالقلب والعقل

نجاة عبد الحق

نجاة عبد الحق

في أيلول/ سبتمبر 2023، وقبل اندلاع الحرب بأسبوعين، قررت نجاة العودة إلى فلسطين. بدأت تُدرّس في جامعة بيرزيت مساق “الدراسات الثقافية”، بعدها تولت منصب مدير العلاقات العامة في الجامعة. تصف نجاة هذه العودة بأنها كانت قراراً جمع بين القلب والعقل. “العودة لفلسطين لم تكن فقط للعمل، بل كانت رحلة نحو العائلة أيضاً”

الأمومة وهوية تمتد بين عالمين

نجاة، أم تتابع دراسة ابنها في ألمانيا، وترى فيه أكثر من مجرد طفل ينمو. بالنسبة لها، هو تجسيد لهوية مركبة، جمعت بين جذور عائلتها الفلسطينية وأرض ألمانيا، التي يعيش فيها. لطالما حرصت على أن يكون ابنها جزءاً من المجتمع المحيط به، يتعلم لغته ويعرف عاداته، لكن في الوقته نفسه ألّا ينس أصله وفصله.

بين الاقتصاد والإعلام: مسار مهني يتقاطع ولا ينفصل

وفي هذه الأيام نجد نجاة واقفة بين عالمين مختلفين تماماً. الاقتصاد والثقافة والإعلام التي تشكل مشهداً متشابكاً حولها. وعندما تسأل عن مكانها في هذا المشهد، ترد “أن حياتها أصبحت تتقاطع بين هذين العالمين، خاصة مع ظهور حضور ثقافي وإعلامي أقوى وأوضح في حياتها الآن”.

شاهدة على تحوّلات العصر التكنولوجي

عاشت نجاة تغييرات كبيرة في طريقة تواصل الناس، من أيام الفاكس والهاتف الثابت في سكن الطلاب إلى عصر الهواتف الذكية ووسائل التواصل الاجتماعي. وكانت تتذكر كيف كانت الأخبار عن فلسطين تصل بصعوبة، وكيف كانت تحاول تتبع الأحداث عبر التلفاز أو الراديو بصعوبة.

وتقول رئيسة العلاقات العامة في جامعة بيرزيت: “هلا هاتفي ما بهدأ”، وتعترف أن الثورة الرقمية غيرت كل شيء. لكنها لا تغوص في الحنين إلى الماضي، بل تؤمن أن لكل زمن ظروفه الخاصة. فهي شخص يحب التطور ويرى في “التكنولوجيا أداة تساعد إذا استخدمت بشكل صحيح، لا شرّ بحد ذاتها، بل أداة يجب استخدامها بشكل صحيح”.

خبز الطابون الذي لا يُعوّض

رغم انفتاحها على كل جديد، ورغم كونها أول من امتلك سيارة كهربائية في الجامعة، تبتسم نجاة وتقول إنها تشتاق لخبز الطابون الحقيقي “لأنه شيء لا يُعوَّض”. ليست سيرة إنسانة عاشت بين بلدين فقط، بل سيرة امرأة صنعت لنفسها رابطاً بين هويتين وتجربتين. هي ابنة فلسطين وابنة ألمانيا، وابنة المسافة بينهما. المسافة التي تحوّلت عندها إلى معنى، وإلى حياة كاملة، وإلى جسر بين ثقافتين تتعايشان في روح واحدة.

ريتا محليس

 

Amal, Berlin!
Privacy Overview

This website uses cookies so that we can provide you with the best user experience possible. Cookie information is stored in your browser and performs functions such as recognising you when you return to our website and helping our team to understand which sections of the website you find most interesting and useful.