عندما أهداها زوجها وأطفالها الثلاثة باقةً من الورد في يوم المرأة العالمي، لم تكن “آمال” تعلم آنذاك أنها ستنثر أوراق الورد حلماً فوق ربيع ذكرياتها، وأنها لن تعود لتعيش هذا اليوم وتحتفل به إلا خارج حدود وطنها!
مرّت عشر سنوات، ولا تزال آمال تذكر كيف بدأ الأمر.. كانت معلمةً في إحدى مدارس دمشق، تحب طلابها كثيراً وتخلص في عملها. تخرج كل صباح لتودع أطفالها في مدارسهم، ثم تنطلق وزوجها لمواصلة مسيرة الكفاح اليومي والعمل الدؤوب في الحياة.
كانا يعملان يداً بيد، ويخططان لبناء مستقبل جيد لهم ولأبنائهم. إلى أن جاء ذلك اليوم المشؤوم الذي قلب كل الموازين.. الحرب في سوريا. جاءت تلك الحرب لتجعل المرأة على مفترق طرق: إما أن تنهار وتفقد حقوقها في مجتمع ضعيف بدأ بالانحلال، أو أن تقاوم وتصمد كشجرة سنديان صلبة في مواجهة الريح العاتية.
“هيا يا آمال بسرعة، اجمعي أهم الأغراض وجهزي الأولاد، سنرحل غداً صباحاً إلى تركيا”، قال لها زوجها، وهذا ما كان. “كل شيء جاهز الآن.. اسبقوني إلى السيارة وسوف ألحق بكم”، قالت آمال وهي تودّع جدران بيتها بعينان ممتلئتان بالدموع. أقفلت باب بيتها، قبّلت المفتاح، وضعته في جيبها وهي تقول: “يوماً ما، سيعود هذا الحب بشكلٍ أخر”.
ثم بدأت رحلة المعاناة، امرأة تترك بيتها، أهلها، عملها، وطنها وكل ذكرياتها الجميلة، لا لشيء، سوى أن الحرب المستعرة لم ترحم احداً، وأنها فقدت حقها في العيش بأمان! بقيت لمدة شهرين في تركيا قبل أن تحدد وجهتها القادمة، لكنها لن تنسى صباح ذلك اليوم، عندما اتصلت بها جارتها في دمشق لتخبرها: “لقد تهدم بيتك ليلة الأمس، فقد أصابته قذيفة صاروخية في المواجهات”!
“الحمد لله، أنا وزوجي وأبنائي لم نزل بخير”، تحمّلت صدمة الخبر، وكان عليها أن تخلق من الألم أملاً، فهي آمال.. ولكل إنسان من اسمه نصيب. ثم استعدت للمرحلة الثانية: الانطلاق مع زوجها وأبنائها برحلة المجهول نحو القارة العجوز، وكان الاختيار الحاسم (ألمانيا).. لم لا؟! فلم يزل للحلم بقية، ولا بد أن يسعوا لتحقيق هذا الحلم مهما كلف الأمر!
كان عليها أن تثبت أنها امرأة جبّارة، عصية على التدمير، هي الزوجة، هي الأم، هي السيدة القوية التي لن تتنازل عن بناء أسرة سعيدة ناجحة مهما دمّرت الحرب أحلامها. هي قصة تدعو إلى التفاؤل فعلاً، بعيداً عن قصص ظلم المجتمع الأخرى التي سمعنا، فقد استطاعت آمال وأسرتها أن يثبتوا وجودهم هنا، بدؤوا مجدداً من نقطة الصفر، دخلوا المدارس الألمانية، أتقنوا اللغة، اندمجوا بمجتمعهم الجديد وانخرطوا في سوق العمل.
مرّت السنين بسرعة، لكنها تقف اليوم ناظرةً إلى باقة وردٍ حمراء جديدة بين يديها، محتفلةً مع زوجها وأبنائها بيوم المرأة العالمي، متذكّرةُ مفتاحها الذي في جيبها، قائلةً في سرّها: (ها قد عاد الحب بشكلٍ آخر)!
- إعداد: خلود فاخرة

