Photo: Asmaa Yousuf
6. مارس 2020

من “سيقضي” علينا أولاً.. كورونا أم الخوف منه؟

الخوف.. ذلك الشعور الحيواني، الذي لولاه لانقرضنا جميعًا، تلك الحالة الطبيعية الفسيولوجية والنفسية التي ندين لها جميعًا إما بالبقاء أو حتى بالنجاة أحيانًا. قد يدفعنا الخوف لحماية أنفسنا من شر محقق. منذ نعومة أظافرنا نختبر الخوف بشقيه النفسي والفسيولوجي، نخاف عندما تتركنا أمهاتنا، نخاف بشكل فطري إذا رأينا شيئًا يوحي بالخطر، نكبر ويكبر معنا الخوف من الفقد، يدفعنا الخوف من الموت أو الغرامة لاتباع إشارات المرور، خوفنا من الفشل يوقظنا ليلًا لنحسم خطة مستقبلية، نقرر ألا نعود لأوطاننا خوفًا من السجن والتعذيب. هذا ما يفعله الخوف عندما يكون منطقيًا يساعدنا على النجاة، ثم نعود لحالتنا الطبيعية. أما أن يصاحب الشعور بالخوف البشر لفترة من الزمن فهنا تكمن المهلكة.

أين ذهبت المطهرات يا أهالي برلين؟

لا تتمثل خطورة استمرار مشاعر الخوف لوقت طويل في أنه قد يهلك الشخص الخائف فقط، بسبب الضغط النفسي والتي تدفع الشخص لاتخاذ قرارات غير رشيدة وتذهب بتقديرات الشخص لزوايا مظلمة بعيدة عن الحقائق الواقعية، بل قد تتخطى آثار الخوف لصاحبه لتدفعه لفرم المحيطين به بوعي أو بدون وعي، لذا ما أخشاه ليس فيروس كورونا، ولكن ما أخشاه حقًا هو الإنسان الواقع تحت الذعر من فيروس كورونا، أنا أخشى البشر الخائفون. الآن ومازالت الأمور في بداياتها فلم يمر أسبوعان على إعلان وزير الصحة الألماني كورونا وباءًا بألمانيا حتى بدأت بعض البضائع في الاختفاء من على الأرفف في محلات السوبر ماركت، فمن ميته إلى فيدنج إلى نويكولن لم أستطع الحصول على عبوة واحدة لمطهر اليد، لا في محلات DM ولا في الصيدليات ولا فروع السوبر ماركت باختلاف أنواعها. فإما أن الناس سيشربون المطهرات ومنتجات النظافة وسيأكلون ورق الحمام أو أنهم لم يهتموا بنظافتهم قط قبل ذلك.

الخوف والإنسان الـ ما بعد حداثي!

عندما يذهب شخص خائف ليقوم بشراء كميات من الطعام أو أي مستلزمات تزيد عن احتياجه في خلال الفترة المفترضة للعزل حال وقوعه ويقوم بعمل ذلك بشكل جنوني بحيث لا يترك شيئًا للآخرين، فهذا شخص جرده الخوف وبشكل جزئي من إنسانيته، فقد تحول الخوف إلى وحش كاسر يطارد الخائف ويخبره بأنه هو ومن بعده الطوفان، أرى التصرفات البشرية الأنانية المهلكة للآخرين بعيد ة تمامًا عن كل مفاهيم التحضر والعيش المشترك راسمة بذلك لوحة لأبشع صورة استهلاكية تليق بالإنسان المابعد حداثي. إذن الناس خائفون ويتغلبون على خوفهم بمزيد من التصرفات غير الرشيدة التي أخرجتهم تقريبًا من فرضية أنهم كائنات اجتماعية يعيشون في مجتمعات حديثة متحضرة إلى يقين أن العالم بصدد نهايته وعلى الإنسان أن يفرم أخيه الإنسان كي يمتكن من النجاة. ويحضرني هنا مقولة لـ برتراند راسل جاء فيها: “الخوف هو المصدر الرئيسي للقسوة والخرافة، ويعد التغلب على الخوف هو رأس الحكمة”.

نظرية الزومبي في النجاة

أنا أيضًا خائفة لكن خوفي من نوع مختلف، خوفي له علاقة من فقدان البشر، كابوس ما بين يقظة ونوم يراودني بأنني يومًا ما سأستيقظ لأجد برلين خالية من الناس، فما يجعل الحياة محتملة بدون رؤية أهلي منذ خمس سنوات هو وجوه البشر في الشوارع، حتى تلك الوجوه التي تنظر أحيانًا بازدراء، أذكر أنني منذ حوالي ثلاثة أشهر تقريبًا كان علي أن أخرج من المنزل عند الثانية والنصف بعد منتصف الليل إلى المطار في طريقي إلى “أورلاوب” كجزء من خطتي للإندماج، خرجت إلى الشارع فوجدته خاليًا إلا من مشرد يجلس على مقاعد محطة الحافلات، كدت أرقص فرحًا، فبرلين لم تفرغ بعد من البشر بعد. منذ يومين استيقظت على صوت جلبة على السلم ارتعدت وقلت لنفسي حسنًا لقد انتشر الوباء وسكان البناية من الطلبة وغيرهم يغادرون إلى مدن عوائلهم، سيخلو المنزل إلا مني، وعلى طريقة “حزلقوم” وتأثره بالأفلام العربية، لدي قناعة مستمدة من مسلسلات “السائرون الأموات” بأنه بعد اختفاء البشر سيظهر الزومبيز، إذًا هذه هي مخاوفي أن يختفي البشر ويظهر بدلًا منهم زومبيز لا يفهموني ولا يتحدثون أو ينظرون إلي.

طرق أخرى لمواجهة الخوف لا تفعلوها!

بمجرد أن سمعت عن دعوات بعض الهيئات المختصة للمواطنين بالاحتياط لاحتمالات العزل ومنع الخروج من المنزل، لم أذهب إلى السوبرماركت لشراء الخزين، ولكنني فكرت في طرق النجاة، وعدت لمرجعيتي الأولى والأخيرة وعكفت على مراجعة كل ما شاهدت سابقًا من مسلسلات وأفلام الزومبي كي أمرن عقلي على طرق العثور على البشر حال اختفائهم وحلول الزومبيز محلهم. بعدها لم يكن بدًا من التفكير في شراء بعض الخزين تحسبًا لاحتمالات حظر الخروج، فقمت بشراء خمسة أو ستة من معلبات التونة والجبن والمربى و”محشي من عند الأتراك” ولقناعتي المستمدة من مسلسل “السائرون الأموات”، الناجون ليسوا هم من يقبعون وراء الجدران ليأكلوا ما خزنوه وحرموا منه الآخرين، وإنما الناجون هم من يخرجون للحياة لإيجاد بشر آخرون، لذا بدأت وبشكل غير واعي في أكل جزء من الخزين كل ليلة، مفترضة أنني أتمرن على النجاة، حتى قارب الخزين على الانتهاء!

ختامًا، علينا الحذر لكن دون إفراط حتى لا نصل إلى مراحل مجنونة من الخوف، وأتمنى لكم ولي السلامة، وأتمنى على من يقومون بتخزين كميات هائلة من مطهر اليد أن يتركوا لي واحدة بأحد المتاجر، كي أنجو وأستطيع كتابة المزيد من النصائح الألمعية للوقاية من الكورونا.. فدمتم بخير.