ثقافة وفن

السينما المقدونية تتألق في بيرليناليه وتنافس على الذهب

الإثنين 11 فبراير 2019

ترددت كثيراً قبل دخول العرض المقدوني في قصر بيرليناله السينمائي، فأنا لا أعرف أحدًا من أبطال الفيلم ولا حتى مخرجته، ثم أن الانتاج السينمائي المقدوني ليس ذائع الصيت، لكن هذا الفيلم مشارك ضمن مسابقة الدب الذهبي، والتي اختارت 17 فيلماً فقط للمنافسة من أصل مئات الأعمال، ومن مختلف أنحاء العالم.. هناك سبب وجيه إذاً دفع بإدارة المهرجان لإدراج هذا العمل ضمن برنامج الجائزة الكبرى.

على العموم دخلت لأُتابع الفيلم وهو بعنوان (Gospod postoi، imeto i ‘e Petrunija)، ويعني إذا ترجم “الله موجود.. واسمها بيترويا”. صالة السينما امتلأت تماماً، حتى أنهم أحضروا كراسي إضافية وضعت خلف المقاعد المثبتة بالأرض! كان حضوراً لافتاً لم يسبق لي رؤيته في مهرجانات سينمائية عربية شاركت يوماً بتغطيتها صحفياً.

مشاهد جذابة وتقنية تصوير مناسبة للقصة

فريق عمل الفيلم المقدوني – Photo: Berlinale

دخل فريق الفيلم، اشتعلت الصالة بالهتاف والتصفيق، شعرت أنني كنت الوحيد الذي لم يتعرف على أبطال العمل أو مخرجته! هدأ الجمهور رويداً رويداً، خفتت الأضواء ودارت عجلت السينما. عادة يكون المشهد الأول كالصنارة، إما يشد اهتمامك كما يشد الطعم السمكة، أو يدعك تذهب بعيداً وتسرح بخيالك خارج الصالة.

باعتقادي كان الفيلم المقدوني من المشهد الأول وحتى المشهد الأخير مثيراً للاهتمام، رغم بساطة الانتاج، واعتماد كوادر واقعية ليست معدة خصيصاً للتصوير، وهذا الأخير، أقصد التصوير كان مميزاً، حيث لعبت المخرجة على تقنية “عين المشاهد”، وفيها تأخذ عدسة الكاميرا دور عين الجمهور، فتبدو وأنت تشاهد الفيلم، كأنك ترى الأحداث من خلف كتف البطلة أو الممثلين الآخرين، بما يتضمن ذلك من اهتزاز وتلصص، وهروب مفاجئ أحياناً. لست في معرض سرد وقائع وأحداث الفيلم، وسأقفز برشاقة بين أبرز مشاهد العمل، والتي حملت عمقاً درامياً محبوكاً بعناية، من ناحية النص والأداء.

التمرد على الطقوس الدينية 

بطلة الفيلم الممثلة زوريتشا نوشيفا – Photo: Berlinale

تذهب بيترويا (32 سنة) وهي بطلة الفيلم إلى مقابلة عمل، فيتحرش بها صاحب مصنع النسيج ثم يسخر من دراستها للتاريخ ومن شكلها ويصفها بالبدينة المسنة التي لا تنفع لأعمال السيكرتاريا أو إعداد قهوته أو إثارته جنسياً. تغادر الفتاة المصنع محبطة تماماً، لتصادف في طريق عودتها موكب عيد “الغطاس” وهو طقس مسيحي تقليدي في مقدونيا، حيث يرمي كاهن القرية صليبا خشبياً في النهر، ويتسابق رجال البلدة المؤمنين للقفز بالماء رغم برودة الطقس الشديدة بهدف التقاط الصليب.

تقفز بيترويا في النهر، وتنجح بما أخفق به بقية الرجال، تلتقط الصليب وترفعه عالياً، ثم يتحلق حولها الرجال وهم يشعرون بحنق عظيم، يخطف أحدهم الصليب من يدها، ثم تنجح بانتزاعه مجدداً وتهرب بعيداً وهي تكاد تتجمد من البرد. هنا تبدأ أحداث العمل بالتصاعد، ويختلط الواقع بالموروث الديني بالنقد السياسي والاجتماعي. يرفض الكاهن والرجال المسحيين المؤمنين فكرة أن تقوم فتاة بالغطس لانقاذ الصليب المقدس. تتسارع الأحداث وتتعقد وتبحث الشرطة عن بيترويا التي تبلغ عنها والدتها المتدينة!

اسقاطات اجتماعية وسياسية محكمة

تنقل سيناريست العمل بخفة بين تناقضات المجتمع المقدوني المتدين والذي يعاني من الفقر ومحدودية فرص العمل، ويبرز ذلك جلياً من خلال الحوارات التي صيغت بعناية، فمثلاً ضمن حديث مأمور الشرطة مع بيترويا يقول لها: “بما أنكِ درستي التاريخ، فلابد أنك معجبة بالإسكندر المقدوني العظيم” فتجيبه دون تردد: “لا على الاطلاق، أنا معجبة بالثورة الصينية”، في دلالة إلى رفض العيش بأمجاد الماضي والانبهار بتجارب الشعوب التي نهضت من تخلفها وباتت بلدانها اليوم من أكبر الاقتصادات في العالم.

تُحتجز بيترويا في مخفر شرطة البلدة لساعات طويلة، خلال هذا الوقت يبحث الكاهن عن حل لـ “جريمتها” بالتقاط الصليب المقدس، إذ لا يصح للمرأة أن تلمسه، ومهمة انقاذه من الغرق بالنهر تقع على عاتق الرجال المسيحيين المؤمنين فقط. يرفض الكاهن نصيحة المأمور باتهام بيترويا بسرقة الصليب، فلا شيء ضمن القانون المقدوني المدني يسمح باحتجازها على ما فعلته، والقانون الكنسي لا يسري بالمخفر. وسط هذه المعمعة تلاحق مراسلة تلفزيونية الحدث منذ البداية، وتسعى لكشف جهل المجتمع المقدوني وتمسكه بتقاليد دينية قديمة، أما بيترويا الفتاة العذراء التي لم يسبق لها ممارسة الجنس، تلمع شرارة حب بينها وبين أحد عناصر الشرطة، الأمر الوحيد الذي هون عليها يومها الطويل هذا.

اختيارات بيرليناليه إنسانية وأخلاقية بالمقام الأول

يطلب المأمور من بيترويا أن تغادر المخفر ومعها الصليب فهو من حقها، تلملم أغراضها وتهم بالخروج، يقول لها الشرطي المعجب: “دعينا على تواصل”، تجيبه بالقبول وعينيها مغرورقة بالدموع.. تخرج من باب المخفر، يناديها الكاهن، تقف وتلتفت إليه ببطئ، يتمنى لها الحظ بعد أن كان ساخطاً عليها طوال الوقت، تُخرج بيترويا الصليب من حقيبتها، وتعطيه له وهي تقول: “لم أعد أحتاجه، ربما ينفعك أنت”.. بهذه الجملة الحوارية ينتهي الفيلم، وتلتهب صالة العرض بالهتاف والتصفيق من جديد.

أدركت جيداً بعد نهاية العرض أن المعايير التي يتم اختيار الأفلام على أساسها للدخول في منافسة الدب الذهبي هي معايير مهنية بامتياز، ولا يلعب حجم الانتاج وأسماء النجوم دوراً يذكر في ذلك، وهذا ما أكده لي الناقد السينمائي المصري طارق الشناوي عندما قال إن بيريناليه من المهرجانات السينمائية المميزة ذات الطابع الإنساني والأخلاقي، فإدارته تختار الأفلام المتنافسة على أساس إنساني وأخلاقي مهني.

هامش

فيلم (Gospod postoi، imeto i ‘e Petrunija) المقدوني من إخراج تيونا ستروغار ميتيفسكا، وبطولة زوريتشا نوشيفا، لابينا ميتيفسكا، سيميون موني دامفسكي، سعاد بيغوفسكي، فيوليتا شيبكوفسكا، ستيفان فوجيسك، زهدفت جاساري، أندريانا كوليفيسكا. مدة العرض 100 دقيقة، ومن إنتاج شركة الأخوات والأخوة ميتفيسكي. الفيلم في عرضه الأول عالمياً وهو ضمن قائمة الأعمال المرشحة لجائزة الدب الذهبي.

أمل برلين | قراءة وإعداد: عبد الرحمن عمرين
Cover Photo: Sisters and Brother Mitevski – Berlinale.de