في مؤتمر برلين من أجل السودان، الذي انعقد خلال شهر أبريل/نيسان الجاري، طغى غياب أطراف النزاع الرئيسية في السودان، من الحكومة السودانية وقوات الدعم السريع، على مجريات النقاشات. وبرّرت السلطات الألمانية هذا الغياب بصعوبة جمع الطرفين في ظل غياب أي اتفاق أو هدنة بينهما، إضافة إلى تقديرات بأن أياً منهما لا يعكس بصورة كاملة إرادة الشارع السوداني.
في المقابل، أعاد هذا الغياب طرح إشكالية الشرعية والتمثيل، وسط تساؤلات حول جدوى مخرجات تُطرح في ظل غياب حكومة مدنية جامعة تحظى بشرعية دولية، ما ألقى بظلال من الشك على قدرة المؤتمر في إحداث تغيير حقيقي في مسار الأزمة السودانية.
وفي ظل استمرار الأزمة في السودان، تتباين مشاعر السودانيين في الخارج بين القلق والأمل الحذِر، بينما تثير التحركات الدولية، وعلى رأسها مؤتمر برلين، تساؤلات واسعة حول جدواها في غياب تمثيل حقيقي لأطراف الداخل.
“لا أمل في المؤتمرات” الحل من داخل البلاد
لا يخفي عمر محمد، تشاؤمه من المبادرات الدولية، قائلاً: “بصراحة، هذه المؤتمرات لا تعطينا أملاً. الحل يجب أن يكون سودانياً خالصاً، داخل السودان وبمشاركة الحكومة. غير ذلك لن يغير شيئاً، خاصة بعد فقدان الثقة في المجتمع الدولي”. ويُضيف، أن متابعته للأحداث تتسم بحالة من التذبذب: “الأخبار صراحةً متذبذبة، أحياناً تشعر بالنصر وأحياناً أخرى بالهزيمة على المستوى العسكري الميداني بالنسبة للجيش. أما سياسياً، فأعتقد أن الوضع أفضل نسبياً، لأن الحكومة أخذت شرعيتها، بينما لم يتمكن داعمو المليشيا من تحقيق مكاسب سياسية واضحة”.
السودان بين صورتين متناقضتين
ويقول عمر: إن التحسن النسبي في بعض جوانب الحياة لا يخفي عمق الأزمة: “الوضع العام في تحسن، لكن كل إصلاح بسيط يكشف حجم الضرر الكبير في البلاد وصعوبة المعيشة”. وعن الوضع الإنساني، يوضح عمر أن الصورة تختلف من منطقة لأخرى: “ففي العاصمة وبعض الولايات، الوضع أفضل بكثير من السنوات الماضية، والأكل أصبح متوفراً والمحلات بدأت تفتح. لكن في غرب السودان، الوضع صعب جداً، مع آلاف النازحين الذين يفتقرون لأبسط مقومات الحياة، وهذا أكثر ما يوجع”. كما يشير إلى الدمار الواسع في البنية التحتية والانهيار في القطاع الصحي، معتبراً أن هذه التحديات تمثل عبئاً إضافياً على المواطنين.
“قريبون رغم البعد”
أما عن تجربته الشخصية في الخارج، فيصفها بأنها مثقلة بالشعور بالعجز: “وجودي خارج السودان يشعرني بعدم القدرة على المساهمة في هذه المرحلة الحرجة. نحن قريبون وجدانياً رغم البعد، فأي خبر يؤثر علينا نفسياً، ولا يمكننا فصل حياتنا عما يحدث هناك”. ويؤكد أن المغتربين يلعبون دوراً حيوياً في دعم أسرهم: “من خلال التبرعات والتحويلات المالية، فكثير من الأسر تعيش حالياً على دعم المغتربين، إضافة لمحاولات إيصال صوتنا في أي مكان نكون فيه”.
تجاوز الحكومة انتهاك للسيادة وتقويض لوحدة الدولة السودانية
من جهته، يرى إبراهيم أحمد أن أي نقاش حول السودان دون إشراك حكومته يمثل انتهاكاً واضحاً للسيادة: “اتخاذ قرارات بشأن السودان دون حكومته الشرعية يخالف القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، ويشكل تهديداً لوحدة البلاد”. ويرفض بشدة مساواة الدولة السودانية بالمليشيات المسلحة: “فهذا الطرح يقوّض مؤسسات الدولة ويمنح شرعية غير مستحقة لأطراف خارجة عن القانون”. ويرفض كذلك مشاركة بعض الأطراف الدولية في مسارات الحل، معتبراً أن غياب الحياد يمنع فرص الوصول إلى تسوية عادلة.
“لا لتقرير مصير السودان في غرف مغلقة”
و يؤكد أحمد نصر أن أي مخرجات لا تنبع من الداخل تفتقر للشرعية: “أي نتائج لا تشارك فيها الحكومة السودانية ولا تدعمها الإرادة الشعبية هي مخرجات وُلدت ميتة”. ويضيف أن الرسالة التي يود إيصالها واضحة: “فلا لتقرير مصير السودان في غرف مغلقة بعيداً عن أهله”.

