مع بداية امتحانات الثانوية العامة في ألمانيا، والتي تمثل المرحلة الحاسمة لطلبة الثانوية العامة، تتجدد قصص التوتر والترقب داخل آلاف الأسر وتتقاطع مشاعر القلق مع الطموح، ويصبح النجاح مشروعاً عائلياً مشتركاً.
في حديثٍ يعكس مشاعر الكثير من الأهالي، يروي الصحفي والباحث السياسي زاهي علاوي تجربته مع ابنته لارا التي تسعى لتحقيق حلمها بدراسة الطب، كاشفاً عن مزيجٍ معقد من القلق والتفاؤل الذي يرافق هذه المرحلة الحاسمة من حياة الطلبة.
رحلة أب بين القلق على ابنته والثقة بطموحها نحو دراسة الطب
يقول زاهي إن شعوره يتأرجح دائماً بين الخوف والأمل، الخوف من أن تتوتر ابنته أو ترتبك خلال دراستها وامتحاناتها، والأمل في أن تتمكن من تحقيق طموحها بالحصول على علامة مرتفعة تؤهلها لدراسة الطب، وهو التخصص الذي يتطلب درجات عالية جداً. ويوضح أن هذه المشاعر المختلطة طبيعية، لكنه يحرص على عدم نقلها إليها حتى لا تؤثر على تركيزها، مؤكداً أن الأهم هو أن تبقى هادئة وواثقة، وأن تسير الأمور في الاتجاه الصحيح لصالحها.
ويوضح زاهي أن مسألة التوقعات العالية لم تكن يوماً نابعة من الأسرة، بل من ابنته نفسها، والتي حددت هدفها مبكراً، ويضيف: “منذ ثلاث أو أربع سنوات، وهي تؤكد رغبتها في دراسة الطب. هذا كان طموحها الشخصي، وليس نتيجة ضغط منا.”
أما والدتها ميمر ابو زهرة، المستشارة القانونية فترى أن قبول الطب في برلين يعتبر تحدياً كبيراً، خاصة في ظل المنافسة الشديدة، مما يدفع الطلبة للدراسة في مدينة أخرى، الأمر الذي يقلق الوالدة بعض الشيء. فالأم “تتمنى بقاء ابنتها إلى جانبها خلال فترة الدراسة الجامعية” كما عبرت الأم ميمر.
“دوري يقتصر على التوجيه” الطموح قرار شخصي لا ضغط عائلي
دور زاهي كأب اقتصر على التوجيه لا الفرض، إذ كان يحرص دائماً على التأكيد لها أن التركيز على تحقيق أفضل النتائج هو الأساس، مع إبقاء الخيارات مفتوحة: “كنت أقول لها دائماً: ركزي على أن تحققي علامات جيدة، وحتى لو لم تصلي إلى المعدل المطلوب لدراسة الطب، فهناك فرص كثيرة في الحياة يمكن أن تنجحي فيها.”
ويُشدد على أن الأسرة تتبنى نهجاً قائماً على تمكين الأبناء من اتخاذ قراراتهم بأنفسهم، معتبراً أن المستقبل مسؤوليتهم بالدرجة الأولى: “نحن لا نفرض عليها مساراً معيناً، بل نقول لها: هذا مستقبلك، وأنتِ من يقرر.”
الدعم النفسي أولاً
وعن التوتر وكيفية التعامل معه، يشدد الأب على أهمية الدعم النفسي، مشيراً إلى أن الفترة الماضية شهدت جهداً مشتركاً منه ومن والدتها لاحتوائها نفسياً. ويوضح: “حاولنا دائماً أن نؤكد لها أن هذه المرحلة مهمة، لكنها ليست نهاية العالم، وأن هناك دائماً فرصاً أخرى لتحقيق الأحلام، حتى لو لم تسر الأمور كما نريد من المحاولة الأولى.” ويضيف: “أنا على يقين بأنها تبذل ما بوسعها لتحقيق هدفها، ولذلك لا أعيش حالة قلق. بالطبع، قد تحدث مفاجآت، لكن هذا لن يغير شيئاً في دعمنا لها أو في طبيعة علاقتنا.”
ويرى زاهي أن أي نتيجة، مهما كانت، لن تكون سبباً في زيادة الضغط عليها، بل على العكس، ستُقابل بمزيد من الدعم: “لا داعي لأن نضيف عليها ضغوطاً إضافية، خاصة في مرحلة هي أصلاً مليئة بالتحديات.”
ويؤكد أن هذا النهج أسهم في ترسيخ قناعة لدى ابنته بأن النجاح لا يُختزل في نتيجة واحدة، بل هو رحلة متعددة المسارات يمكن بلوغها بوسائل مختلفة.
كيف يختلف نظام الثانوية بين فلسطين وألمانيا؟
ويقارن زاهي بين تجربته الشخصية في الثانوية العامة في فلسطين وبين النظام التعليمي في ألمانيا، مشيراً إلى اختلافات جوهرية. فبينما كانت الثانوية العامة في بلاده تعتمد بشكل كبير على امتحان نهائي حاسم، يرى أن النظام في ألمانيا يمنح الطالب مساحة زمنية أوسع، حيث تُحتسب علامات عدة سنوات دراسية ضمن المعدل النهائي، ما يخفف من ضغط الامتحان الواحد.
كما يلفت إلى وجود فرص إضافية تدعم الطالب في تحسين مستواه، خاصة لمن يطمحون لدراسة الطب. فهناك إمكانية التقدم لامتحانات إضافية لرفع المعدل، إلى جانب فرص التدريب أو التطوع، مثل قضاء سنة في مستشفى أو مركز صحي، وهو ما يعزز ملف الطالب ويزيد من فرص قبوله في التخصصات الطبية. ويرى أن هذه الآليات تمنح الطلبة مسارات متعددة لتحقيق أهدافهم، بدلاً من الاعتماد على فرصة واحدة فقط.
ويتابع بأن النظام التعليمي في ألمانيا لا يقتصر على المسار الأكاديمي فقط، بل يوفر بدائل مهنية وتعليمية متنوعة، مثل التدريب المهني، ما يفتح آفاقاً أوسع أمام الطلبة لبناء مستقبلهم، حتى في حال لم يسلكوا الطريق الجامعي التقليدي. وهو خيار لا يحظى بنفس الحضور في العالم العربي، حيث يُنظر غالباً إلى التعليم الجامعي كمسار وحيد.
كيف تصنع المدارس في ألمانيا طلاباً أكثر جاهزية للحياة؟
التعليم في ألمانيا كما يرى زاهي، يقوم على تعزيز الاستقلالية والمهارات العملية لدى الطلبة، مقارنة بما اعتاد عليه في العالم العربي. ويشير إلى أن الطلاب هنا يكتسبون منذ مراحل مبكرة مهارات البحث، وتحضير العروض التقديمية، وعرض المعلومات بطريقة منهجية. ويضيف: “الطالب في المدرسة هنا يستطيع إعداد عرض تقديمي، وكتابة سيرة ذاتية، واستخدام برامج مثل PowePoint، بل وحتى إنتاج أفلام ومسرحيات. هذه مهارات لم نتعلمها نحن إلا في مراحل متأخرة، غالباً في الجامعة.” ويعتبر أن هذا النهج التعليمي يُعزز قدرة الطالب على مواجهة تحديات الحياة: “عندما ينهي الطالب المدرسة، يكون أكثر جاهزية للاعتماد على نفسه والتعامل مع متطلبات الحياة المختلفة.”
وفي سياق حديثه عن تجربة ابنته، يؤكد الأب أنه نادراً ما اضطر للتدخل في دراستها خلال السنوات الأخيرة، بفضل طبيعة النظام التعليمي الذي يشجع على الاعتماد على النفس: “لا أذكر خلال السنوات الخمس الماضية أنني اضطررت لمساعدتها بشكل مباشر في الدراسة، إلا في حالات محدودة تتعلق بنقاشات عامة أو قضايا سياسية.”
ويختم بالإشارة إلى أن هذا النموذج التعليمي، القائم على الفهم لا التلقين، كان له أثر واضح في تشكيل شخصية ابنته وتعزيز طموحها، متمنياً لو أن مثل هذه الأساليب كانت متاحة في الأنظمة التعليمية العربية.

