يكشف تقرير حديث لموقع “هيسنشاو” الإخباري عن أزمة متفاقمة داخل المستشفيات الألمانية، حيث يقضي الأطباء والممرضون ساعات طويلة في أعمال التوثيق والإدارة، بدلاً من تكريس وقتهم لرعاية المرضى. ففي قسم جراحة الحوادث بمستشفى دارمشتات، تنهي الطبيبة ديبورا ريغ فحصها لإحدى المريضات بعد عملية في اليد، وتشرح لها بإيجاز ما يجب أن تفعله خلال فترة التعافي، قبل أن تعود سريعاً إلى مكتبها. وما بين سرير المريض وشاشة الحاسوب، تتجسد يومياً فجوة آخذة في الاتساع بين العلاج الفعلي ومتطلبات النظام الإداري.
الطبيب أمام الشاشة
تقول الطبيبة إن نحو 80 % من وقت عملها يذهب إلى الحاسوب، لا إلى المرضى. فبعد كل زيارة طبية تبدأ سلسلة طويلة من المهام. منها كتابة التقرير الطبي، إدخال البيانات في السجلات، واستكمال وثائق الجودة والتأمين وغيرها. وتزداد المشكلة تعقيداً حين تُطلب المعلومات نفسها أكثر من مرة لجهات مختلفة. هذا الواقع لا يخص طبيبة واحدة، بل يعكس نمطاً واسعاً في المستشفيات، حيث بات الأطباء يقضون جزءاً كبيراً من يومهم في النقر والحفظ والإدخال، بدلاً من التشخيص والمتابعة والعلاج.
التمريض أيضاً تحت الضغط
ولا يقتصر العبء البيروقراطي على الأطباء وحدهم، بل يطال طواقم التمريض كذلك. فجزء كبير من وقت الممرضين يضيع بين طلب الوجبات، وتنظيم النقل، وتنسيق الفحوص، ومتابعة الإجراءات الإدارية المرتبطة بكل مريض. ووفق ما أورده التقرير، فإن هذا الاستنزاف اليومي انعكس بوضوح على شعور العاملين في القطاع الصحي بالضغط والإنهاك. كما أظهرت استطلاعات مهنية أن الغالبية الساحقة من الأطباء يرون أن البيروقراطية أصبحت عبئاً ثقيلاً يعيق أداءهم. في حين تشير التقديرات إلى أن ساعات التوثيق اليومية تستهلك طاقة عشرات الآلاف من الأطباء والممرضين في ألمانيا.
حماية ضرورية وعبء مكلف
ورغم الانتقادات الواسعة، لا يمكن النظر إلى البيروقراطية بوصفها عبئاً بلا وظيفة. إذ ترتبط أيضاً بحماية المرضى وضمان توثيق الإجراءات الطبية عند وقوع الأخطاء أو المضاعفات. فالسجلات والإثباتات تظل ضرورية لضمان الجودة والشفافية والحقوق القانونية. لكن المعضلة الحقيقية تكمن في حجم هذا العبء واتساعه، إلى درجة بات معها يبعد الكوادر الطبية عن جوهر مهنتها. وهكذا يطرح التقرير سؤالاً شديد الحساسية على النظام الصحي الألماني: كيف يمكن الحفاظ على معايير السلامة والرقابة، من دون أن يتحول الطبيب والممرض إلى موظفي إدارة أكثر منهم مقدمي رعاية؟

