Foto: rita mahlis
14/03/2026

برلين…المدينة التي تسكنك وتجعل الناس يختارون العيش فيها

برلين، التي تصل إليها غريباً، تحمل حقيبة صغيرة من الذكريات والحنين، وتظن في البداية أنك مجرد عابر في مدينة كبيرة لا تعرفك ولا تعرفها. هنا، في شوارعها الواسعة، تبدأ اكتشافات صغيرة تشبه الاكتشافات الأولى في حياة الإنسان. هنا قد تمشي لأول مرة بين مبانٍ تاريخية تشبه المتاحف المفتوحة، وتكتشف أن المدينة ليست مجرد طرق وأسفلت، بل طبقات من التاريخ والقصص والحكايا التي ما زالت حاضرة في مبانيها وحجارتها.
هنا تشعر بأن العالم أوسع مما تعتقد. لغات كثيرة في الشوارع، ومقاهٍ تجمع وجوهاً من كل القارات، ومعارض فنية وموسيقى وحياة لا تتوقف. لتدرك أن برلين ليست مجرد مدينة، بل نافذة على عالم أكبر.
في برلين قد تدخل مكتبة لأول مرة وتشعر أن الكتب لا نهاية لها، أو تجلس في مقهى صغير فتكتشف أن الأفكار يمكن أن تتلاقى بين غرباء لم يجمعهم شيء سوى هذه المدينة. ومع الوقت تصبح هذه اللحظات الصغيرة جزءاً من ذاكرتك.
شيئاً فشيئاً تكبر المدينة بداخلك، ويكبر تأثيرها عليك. تذهب إلى جهات العالم الأربع، وربما تسافر إلى مدن كثيرة، لكنك تكتشف مع الوقت أنك تحمل ضجيج برلين وشوارعها الطويلة معك أينما ذهبت، فلا يهدأ لك بال إلا حين تعود إليها. عندها ينتابك شعور يشبه الطمأنينة، وكأنها أصبحت جزءاً منك، وأصبحتَ جزءاً منها.
ما يمنح هذه المدينة روحها الحقيقية هم الناس. تجمعهم هذه المدينة في شوارعها ومقاهيها وجامعاتها. فقد تلتقي بأشخاص يشبهونك في التجربة وإن اختلفت بلدانهم. قد تلتقي بشاب من لبنان أو فتاة من فلسطين أو صديق من العراق، ومع الوقت تكتشف أن هؤلاء الغرباء أصبحوا أقرب الناس إليك. في مدينةٍ تجمع القادمين من جهات العالم المختلفة تتشكل علاقات من نوعٍ خاص. ليس بالضرورة أن تكون مبنية على قرابة الدم، لكنها تنشأ من تجربة مشتركة: تجربة الغربة والبحث عن بداية جديدة. شيئاً فشيئاً تتحول الصداقات التي تبدأ في قاعة جامعة أو على طاولة مقهى صغير إلى عائلة أخرى لك. ربما لهذا السبب يختار كثير من الناس أن يعيشوا في برلين. بعضهم جاء للدراسة، وبعضهم للعمل، وآخرون جاءوا فقط ليجربوا الحياة فيها. لكن مع مرور الوقت تتحول المدينة بالنسبة لكثيرين منهم إلى أكثر من مجرد محطة عابرة في الحياة.

في هذه المقابلة يروي ثلاثة أشخاص من لبنان والعراق وفلسطين كيف تحولت برلين بالنسبة لهم من مدينة غريبة في البداية إلى مكان يحمل جزءاً من حياتهم وذكرياتهم، حتى أصبح الرحيل عنها أمراً لا يُطاق.

“برلين المكان الذي أعود إليه دائماً”

يستعيد رامي، القادم من لبنان، لحظة وصوله الأولى إلى برلين، ويقول إن المدينة بدت له في البداية أكبر مما تخيل. “عندما وصلت أول مرة شعرت أن كل شيء حولي جديد: اللغة، الشوارع، وطريقة الحياة المختلفة. كنت أمشي كثيراً في المدينة، ربما لأفهمها، وربما محاولة مني لأفهم نفسي فيها”.
في تلك الأيام كان الشعور بالغربة يرافقه في كل لحظة. كان يتذكر قريته في جنوب لبنان، حيث يعرف كل شارع وكل وجه فيها، وحيث تبدو الحياة أكثر بساطة وهدوءاً. لكن شيئاً فشيئاً بدأت برلين تكشف له وجهاً آخر. ويقول: “بدأت الدراسة هنا، ثم حصلت على أول عمل لي في حياتي. تعرفت إلى أصدقاء من دول وثقافات مختلفة، وفجأة شعرت أن حياتي بدأت تتشكل في برلين”.
يضيف رامي بنبرة هادئة: “الآن عندما أسافر وأعود بالطائرة، وأرى أضواء برلين من الأعلى، ينتابني شعور غريب… كأنني أعود إلى بيتي”.
ثم يُعلّق مازحاً، مستعيداً مقطعاً من أغنية لفيروز: “أحياناً أشعر وكأنني أقول لبرلين: إن تركتك بشقى… وإن بقيت بشقى. لكن يبدو أنني اخترت أن أبقى”.

“برلين مدينة لا تنام وربما لهذا السبب أحببتها”

بالنسبة لعلي، القادم من العراق، لم يكن صخب برلين أمراً مزعجاً، بل كان أحد الأسباب التي جعلته يقع في حبها. يقول: “أنا شخص لا يحب المدن الهادئة. أحب الأماكن التي فيها حياة ومطاعم مفتوحة حتى وقت متأخر من الليل”. في برلين وجد على كل ذلك، ويضيف: “في هذه المدينة يمكنك أن تسمع ثلاث لغات مختلفة في دقيقة واحدة، يمكنك أن تأكل طعاماً من أي بلد في العالم، هناك دائماً شيء ما يحدث”. يضحك وهو يتذكر تجربته، إذ حاول العيش في مدينة أصغر وأكثر هدوءاً: “انتقلت إلى مدينة صغيرة لفترة. كانت جميلة فعلاً، لكنها هادئة جداً… بعد أسبوعين فقط شعرت أن حياتي توقفت”. لم يستطع علي البقاء هناك طويلاً، ويقول: “عدت إلى برلين بسرعة البرق. شعرت وكأن برلين تقول لي: مكانك هنا، ابقَ هنا”.

“كل خطوة مهمة في حياتي بدأت هنا”

أما ليان، القادمة من فلسطين، فتربط قصتها مع برلين ببداية مرحلة جديدة في حياتها. تقول: “جئت إلى برلين كطالبة. كانت تلك أول مرة أعيش فيها بعيداً عن بلدي، لذلك كان الشعور في البداية مزيجاً من الحماس والخوف”. مدينة جديدة، ولغة جديدة، وحياة مختلفة تماماً. لكن مع مرور الوقت بدأت المدينة تمنحها فرصاً لم تكن تتوقعها. “درستُ اللغة في الجامعة هنا، وتعلمت أشياء كثيرة. وها أنا على أعتاب التخرج من كلية الطب في جامعة شاريتيه”. لهذا السبب يصعب عليها تخيل حياتها بعيداً عن هذه المدينة. “لا أقول إن برلين بديل عن وطني، لكن حياتي تشكلت هنا. ذكرياتي هنا، وأصدقائي هنا، وكل ما بنيته بدأ من برلين”.

Amal, Berlin!
Privacy Overview

This website uses cookies so that we can provide you with the best user experience possible. Cookie information is stored in your browser and performs functions such as recognising you when you return to our website and helping our team to understand which sections of the website you find most interesting and useful.