Foto: Ella Knorz_ifProductions_Alamode Film
22/02/2026

“رسائل صفراء” حكاية السقوط البطيء …الفيلم الفائز بجائزة الدب الذهبي برليناله 2026

فاز الفيلم الدرامي السياسي «رسائل صفراء» للمخرج الألماني التركي إلكر تشاتاك بجائزة الدب الذهبي كأفضل فيلم في مهرجان برلين السينمائي الدولي (برليناله) 2026، وهي أعلى جائزة في المهرجان، تقديراً لرؤيته السينمائية الجريئة وقدرته على مزج السياسة والدراما في سرد مؤثر.

تدور القصة حول دريا (أوزغو نامال) وزوجها عزيز (تانسو بيشر)، وهما من الوجوه المعروفة في الوسط الفني في أنقرة. كانا يعيشان حياة مستقرة مع ابنتهما المراهقة، قبل أن ينقلب كل شيء فجأة إثر حادث يقع أثناء العرض الأول لمسرحية جديدة. بعد وقت قصير تصل إليهما رسالة صفراء رسمية، ومن خلالها فقط يكتشفان أنهما فقدا عملهما. عند تلك اللحظة يبدأ الانحدار البطيء الذي سيعيد تشكيل حياتهما بالكامل.

للمخرج إلكر تشاتاك، المشارك في المسابقة الرسمية لمهرجان برلين السينمائي هذا العام، تدور هذه الأحداث في فيلم «رسائل صفراء»، حيث ينافس على جائزة الدب الذهبي. يقدّم الفيلم حكاية زوجين من عالم الفن: هي ممثلة معروفة، وهو كاتب مسرحي ومحاضر جامعي، يجدان نفسيهما فجأة خارج المنظومة المهنية وتحت رقابة الدولة.

إلكر تشاتاك- مخرج الفيلم

إلكر تشاتاك- مخرج الفيلم

انهيار يبدأ بالتفاصيل الصغيرة

ما يبدو في البداية مجرد إجراء إداري عابر يكشف سريعاً عن نفسه بوصفه بداية انهيار طويل. فالانكسار لا يحدث بضربة واحدة، بل يتسلل في شكل خسارات صغيرة متتابعة. أول ما يُلغى هو درس الغيتار لابنتهما، ثم تتحول المدرسة الخاصة نفسها إلى عبء لا يمكن تحمّله. ومع انقطاع الدخل تبدأ أقساط الشقة في التراكم، إلى أن يصبح واضحاً أن الاحتفاظ بها لم يعد ممكناً. يتركان المنزل وينتقلان إلى بيت الأم في إسطنبول، وهناك، في ضيق المساحة وثقل الاعتماد على الآخرين، تبدأ الشقوق في الزواج ذاته بالاتساع.

هذه الحكاية متجذّرة بوضوح في بنية السلطة التركية: في قرارات المنع من العمل، وفي المحاكمات المؤجلة التي لا تنتهي، وفي آليات إنهاك الناس ببطء حتى يُدفعوا إلى هامش المجتمع. لكنها في الوقت نفسه تتجاوز حدود تركيا، لتشير إلى تجارب أوسع في المنفى: حياة معلّقة في حالة عدم يقين، تتآكل فيها المكانة الاجتماعية، ويصبح الاستقرار ذكرى بعيدة أكثر منه واقعاً قائماً.

بين عالمين… ورسالة بلا حدود

لا يتضح هذا البعد فوراً، إذ يكشف الفيلم تدريجياً عن طريقته الخاصة في بناء المكان. الشخصيات تتحدث التركية، وتجربتها السياسية مرتبطة بوضوح بواقع سلطوي معروف، ومع ذلك تتحرك في مدن ألمانية. شوارع برلين تقوم مقام أنقرة، ومواقع في هامبورغ تمثل إسطنبول. هذه الإزاحة ليست خدعة واقعية، بل خيار فني واعٍ يخلق شعوراً دائماً بعدم الاستقرار، كما لو أن المكان نفسه فقد يقينه.

أوضح تشاتاك، الذي يعيش في ألمانيا ويحمل جنسيتها، في المؤتمر الصحافي أنه شعر منذ البداية بأن فيلماً عن القمع السياسي لا ينبغي أن يبقى محصوراً في مكان «بعيد». وقال إن من المريح أكثر من اللازم الاكتفاء بالإشارة إلى ما يحدث في دول أخرى، من دون مواجهة المشكلات داخل المجتمعات الأوروبية نفسها. فقط عندما نقل القصة إلى هذا الفضاء المزدوج، شعر أنه يتحدث أيضاً عن المجتمع الذي يعيش فيه.

ومع ذلك يؤكد المخرج أن هدفه لم يكن توجيه انتقاد مباشر إلى ألمانيا بقدر ما كان التحذير من وهم الاطمئنان. فالديمقراطية وحرية التعبير، في نظره، ليستا حقائق ثابتة، بل مكتسبات تحتاج إلى دفاع دائم. حقوق ضحّى الناس من أجلها في الماضي قد تبدو راسخة، لكنها ليست محصّنة من التراجع، لا في أوروبا ولا في غيرها. ولهذا يرى أن قصته يمكن أن تقع اليوم في أماكن كثيرة حول العالم.

ومع ذلك لا يظهر هذا البعد الكوني بوضوح منذ البداية. فالسرد يظل مرتبطاً بقوة بالسياق التركي، وغالباً ما يُستقبل الفيلم بوصفه حكاية عن تطورات سلطوية في تركيا أكثر منه مرآة لواقع أوروبي. هذه المسافة بين طموح الفيلم العالمي وطريقة تلقيه تمثل إحدى النقاط الأساسية في النقاشات التي أثارها.

 

أما تشاتاك نفسه فيرى أن مهمة السينما لا تكمن في تقديم إجابات جاهزة، بل في طرح أسئلة تدفع الجمهور إلى التفكير. الرسالة الصفراء في بداية الفيلم ليست رمزاً مباشراً أو بياناً سياسياً، بل شرارة صامتة تكشف مدى هشاشة اليقين، وتذكّر بأن المسافة بين الشعور بالأمان والانزلاق إلى الخوف قد تكون أضيق مما نتصور.

كارن المناوي- برلين

Amal, Berlin!
Privacy Overview

This website uses cookies so that we can provide you with the best user experience possible. Cookie information is stored in your browser and performs functions such as recognising you when you return to our website and helping our team to understand which sections of the website you find most interesting and useful.