في قلب برلين، حيث تتقاطع اللغات والهويات، يقف علي هليل، صاحب مقهى جذور، شاهداً على تجربة ثقافية عربية–فلسطينية نادرة، نمت من حقيبة كتب صغيرة إلى مساحة دافئة تجمع العرب والألمان تحت سقف واحد.
في مدينة كبرلين، تتشابه فيها المقاهي، شق علي طريقاً مختلفاً. جاء إلى ألمانيا قبل عشر سنوات بهدف الدراسة، لكنه وجد نفسه سريعاً أمام سؤال أكبر من الشهادة: كيف يمكن للإنسان أن يحافظ على لغته وذاكرته وهو بعيد عن وطنه؟
من هنا بدأت حكايته مع الكتاب، ومع المقهى الذي سيحمل لاحقاً اسم جذور.

علي هليل/ صاحب مقهى جذور
الجالية موجودة لكن الكتاب العربي غائب
يقول علي : «توجد جالية عربية، لكن لا وجود للكتاب العربي». لم تكن هذه الجملة مجرد رؤية عابرة، بل كانت شرارة لمشروع كامل. بدأ علي بجلب الكتب معه من فلسطين إلى بيته في برلين، محاولاً سد هذا الفراغ الثقافي بطريقته الخاصة. ومع الوقت، تحولت المبادرة الفردية إلى معارض للكتاب العربي، نُظمت بالتعاون مع الجالية الفلسطينية، وبمشاركة شخصيات فاعلة مثل خليل دياب وأبو المجد، لتصبح الكتب مساحة لقاء وهوية مشتركة.
موزاييك المحاولة الأولى لخلق مساحة جامعة لكل العرب
من رحم هذه التجربة وُلد مشروع موزاييك، بالتعاون مع المجلس المركزي الفلسطيني في برلين. كان موزاييك محاولة لصناعة مركز ثقافي جامع للفلسطينيين ولكل العرب تحت راية واحدة. لم يكن الهدف بيع الكتب فقط، بل خلق مساحة يلتقي فيها الناس حول الندوات والحوارات والأنشطة الثقافية. تطورت الفكرة لاحقاً إلى إنشاء مكتبة داخل المركز، ليأتي الزائر يجد الكتاب، ومعه دفء ثقافي افتقده في الغربة.
من مكتبة تقليدية إلى مقهى ثقافي
بعد تجربتين مع المكتبة بصيغتها التقليدية، أدرك علي أن الزمن تغير، وأن الكتاب وحده يحتاج إلى شكل جديد ليبقى حاضراً. يرى أن المكتبة التقليدية لم تعد كافية في ظل التطور الحاصل، وأن الإبداع بات ضرورة لا خياراً. من هنا بدأت ملامح فكرة Book Shop Café، «جذور»، حيث يمكن “للكتاب أن يُقرأ، وللقهوة أن تُشرب، وللهوية أن تُعاش”.
جذور أكثر من مقهى
هكذا تحولت الفكرة إلى مقهى جذور، مساحة ثقافية متعددة المعاني. في جذور، لا يقتصر الحضور على القراءة، بل يتقاطع الكتاب مع تفاصيل الحياة الفلسطينية اليومية. يجد الزائر منتجات تعبر عن الهوية، مثل زيت الزيتون والمأكولات الفلسطينية والمطرزات، كما تُفتح المساحة في الصيف لدعم المشاريع الصغيرة، خاصة تلك التي تقودها نساء في بداياتهن. يقول علي إن هذه المبادرة تحمل رسالة واضحة مفادها أن البدايات صعبة، وأن من واجب من اجتازها أن يمد يده للآخرين.

جانب من المكتبة
الأدب العربي بلغتين وهوية واحدة
يحتضن مقهى جذور برامج أسبوعية وشهرية تركز على الأدب العربي، سواء باللغة العربية أو مترجماً إلى الألمانية. الفكرة الأساسية للمكان هي الجمع بين المقهى والمكتبة والمركز الثقافي في آن واحد، ليصبح جسراً حقيقياً بين العرب والألمان. يؤكد علي أن هذا النموذج نادر في أوروبا، بل وغير منتشر حتى في كثير من الدول العربية، باستثناء تجارب محدودة في القدس وعمان تشبه ما يحدث في جذور.
إقبال يتجاوز التوقعات وتحول لافت
يلاحظ علي أن الإقبال على مقهى جذور كان لافتاً وغير مسبوق مقارنة بتجربة موزاييك. ففي السابق، لم تتجاوز نسبة الألمان من رواد المكان الواحد في المئة، أما اليوم فقد تغير المشهد تماماً، وأصبح الحضور مناصفة تقريباً بين العرب والألمان. بعض الألمان أبدوا إعجاباً خاصاً بالأدب العربي، وأصبحوا زواراً دائمين للمكان، ما يعكس نجاح الفكرة وقدرتها على كسر الحواجز الثقافية.
السياسة في الخلفية والثقافة في الواجهة
يشير علي إلى أن الفئة الأكثر إقبالاً من الألمان هم الشباب اليساريون، ويربط ذلك بما يجري في غزة وفلسطين عموماً. هذا الاهتمام لم يخلُ من التحديات، إذ تعرض المكان بعد الانتقال من موزاييك إلى جذور لمضايقات، وصلت أحياناً إلى إلقاء القمامة أمامه. لكن في المقابل، برز تضامن حقيقي من أشخاص اختاروا الوقوف إلى جانب المكان، وتحول هذا التضامن مع الوقت إلى زيارات منتظمة ورواد دائمين.

إحدى وجبات المقهى
لقاءات تتجاوز الحدود اللغوية
تحول جذور إلى مساحة تعارف وتبادل ثقافي، حيث بدأت تنشأ لقاءات دورية إلى جانب قراءات بلغات متعددة، من بينها الإنجليزية. في الأسابيع المقبلة، يستعد جذور لاستضافة قراءات جديدة، ما يعزز دوره كمركز ثقافي مفتوح للجميع.
التحدي الأكبر الاستقلال المادي
منذ انطلاقته وحتى اليوم، يواجه المشروع تحديات عديدة، أبرزها التحدي المادي. يؤكد علي أن مقهى جذور يمول نفسه بنفسه، دون أي دعم داخلي أو خارجي، حفاظاً على استقلاليته وهويته كمركز ثقافي عربي فلسطيني.
الكتاب الورقي آخر ما يختفي
يؤمن علي بأن الكتاب الورقي لا يزال يحتفظ بمكانته، ويرى أنه لو كان هناك شيء سيختفي بسبب التطور التكنولوجي، فسيكون الكتاب آخرها. العلاقة بين القارئ والكتاب ما زالت قائمة، والكتاب الورقي ما زال مساحة للتركيز، فيما لا تستطيع الشاشات حتى اليوم أن تحل محله بالكامل، خاصة مع تطور تصميم الأغلفة ودورها في جذب القراء.
رسالة أخيرة من جذور
يختتم مؤسس جذور حديثه برسالة صادقة للرواد، مؤكداً أن سعادة المكان الحقيقية تكمن في حضور الناس وقراءتهم. فكل سطر يُقرأ من كتاب على رفوف جذور هو حياة جديدة وتجربة مختلفة بالنسبة له. يفتح مقهى جذور أبوابه للجميع، كمساحة ثقافية وإنسانية نادرة في برلين، وكمكان يحمل جذور الذاكرة العربية والفلسطينية إلى قلب أوروبا.
ريتا محليس

