تتجاوز الألعاب الأولمبية في برلين كونها مجرد حدث رياضي عالمي، لتصبح جزءاً من المشهد السياسي الألماني اليوم. لكنها ليست المرة الأولى، فقد كانت خلال فترة الحكم النازي جزءاً من السياسة أيضاً، إذ تروي الألعاب الأولمبية قصة طويلة تمتد من عام 1936 في عهد النازية وصولاً إلى يومنا هذا، حيث ما زالت تحتل أحد أبرز النقاشات الرياضية التي دخلت مضمار السياسة في ألمانيا.
سعت السلطة في ذلك الوقت إلى توظيف الألعاب كواجهة دعائية لإظهار القوة والحداثة أمام العالم، فتم تشييد منشآت ضخمة، أبرزها الملعب الأولمبي، واستُخدمت الاحتفالات بذلك لبث رسائل سياسية على حدث يفترض أن يكون رياضياً بحتاً. بقيت تلك الدورة مرتبطة بتاريخ مظلم، ما جعلها مثالاً دائماً على تداخل الرياضة مع السياسة، وعلى قدرة الأحداث الرياضية الكبرى على حمل دلالات تتجاوز حدود الملاعب.
جدل برلين الأولمبي: إعادة للتاريخ أم درس أُهمل؟
اليوم تعود الألعاب الأولمبية إلى واجهة المشهد السياسي، إذ يثير ملف ترشح المدينة لاستضافة الألعاب الأولمبية جدلاً مالياً وسياسياً على حدٍ سواء، حيث تنتقد أحزاب المعارضة مثل الخضر وحزب اليسار تخصيص ستة ملايين يورو للملف، معتبرين أن هذه الأموال قد تُهدر على مشروع بدون نتائجٍ ملموسة في حين تدافع الحكومة والتحالف عن أهمية الاستثمار في المدينة وفرص الترويج لها دولياً.
قد يبدو أن السياسة الألمانية الحاضرة تعيد نفس الأخطاء في الماضي، إذ تُصرف أموال طائلة على واجهة دعائية، بينما تُهمل الأولويات الأكثر إلحاحاً في الدولة والتاريخ قد يعيد نفسه، حتى وإن كانت الدوافع والنيات مختلفة، لتظل الألعاب الأولمبية مرآةً لجدل دائم بين الطموح السياسي والاحتياجات المجتمعية الحقيقية.
من التمييز العنصري إلى شمولية الرياضة: ألمانيا للجميع
لو كان الأمر بيد النازيين آنذاك، لكان فوز الرياضيين الألمان في الألعاب الأولمبية 1936 حتمياً. لكن جاء الأمريكي الأسود جيسي أوينز وفاز مباشرة بأربع ميداليات ذهبية، محطماً كل توقعات النازية الألمانية. كان الصراع بين الألوان حاضراً في كل منافسة، واستخدم النظام النازي الرياضة كأداة دعائية ليس فقط لاظهار قوة المانيا، بل للتأكيد أيضاً على تفوق العرق الأبيض، بينما واجه الرياضيون السود مثل جيسي أوينز العنصرية في كل خطوة.
اليوم تبدو ألمانيا مختلفة تماماً، فقد تحولت الرياضة إلى منصة شاملة تستقبل الجميع بغض النظر عن اللون أو الأصل أو الخلفية الاجتماعية، وتحتفل بالتنوع كفرصة أخرى للترويج لبرلين. تسعى برلين من خلال الألعاب الأولمبية إلى تعزيز فكرة الشمولية والانفتاح، لتكون الرياضة فرصة للتعايش، بعيداً عن أي رسالة عنصرية أو تمييزية.
آلاف التواقيع تفتح باب النقاش الأولمبي في برلين
دخل ملف ترشح برلين لاستضافة الألعاب الأولمبية مرحلة سياسية جديدة، بعد أن سلمت مبادرة شعبية أكثر من 28 ألف توقيع إلى البرلمان، متجاوزة الحدّ المطلوب لفرض مناقشة رسمية داخل الدولة الألمانية. وقال رئيس اتحاد الرياضة في برلين، توماس هيرتل، بأن تسليم التواقيع يمثل “بداية نقاش جاد داخل البرلمان الألماني”، مؤكداً أن المبادرة لا تقتصر على حلم الأولمبياد، بل تهدف إلى مدينة أكثر نشاطاً، واستثمار مستدام في الرياضة، والتعليم البدني، والمنشآت الرياضية، ودعم العمل التطوعي والجماهير الرياضية. وخلال الأسابيع المقبلة، ستُدقق التواقيع قبل إحالة مطالب المبادرة إلى اللجان المختصة، تمهيداً لعرضها على الجلسة العامة واتخاذ قرار سياسي حاسم بشأنها.
بين طموح الاستضافة الأولمبية ومعركة الاستفتاء
يتوقع مسؤولو البرلمان أن يُحسم الموقف من المبادرة قبل العطلة الصيفية، سواء بدعم رسمي أو برفض واضح. ففي حالة الرفض، يظل الطريق مفتوحاً أمام مؤيدي الأولمبياد للانتقال إلى مرحلة أعلى عبر جمع عدد أكبر من التواقيع وهو 175 ألف توقيع، وهذا قد يقود إلى استفتاء شعبي. على صعيد آخر، يستعد معارضو الألعاب الأولمبية لإطلاق مبادرة مضادة تهدف إلى منع إقامتها في برلين، ما ينذر بصراع سياسي وشعبي طويل حول مستقبل المدينة الرياضي.
يأتي هذا الجدل في وقت يستعد فيه الاتحاد الألماني للرياضة الأولمبية لاتخاذ قراره النهائي بحلول أيلول/ سبتمبر 2026 بشأن المدينة المرشحة، لتبقى برلين واقفة عند مفترق طرق بين الطموح الأولمبي وحسابات الرأي العام.
ريتا محليس

