في عام 1943، كسرت المدرّسة الدمشقية المتعلمة، ثريا الحافظ، حاجز الصمت والتقاليد. تقدمت ثريا مع مجموعة من السيدات وسرن نحو السرايا في ساحة المرجة، في خطوة احتجاجية جريئة كشفن فيها عن وجوههن وخلعن الحجاب، واصفات معارضيهن بالرجعيين. رغم رد فعل المحافظين العنيف حينها، الذي وصل إلى حد الرشق بالبيض الفاسد، واصلت ثريا نضالها، لتخوض أول معركة انتخابية نيابية في عام 1953، وتدخل التاريخ كأول سيدة تترشح للبرلمان.
مرت عقود طويلة بين ذلك اليوم والمشهد السوري الراهن. ومع أن البلاد شهدت تحولات هائلة بعد سقوط النظام، فإن المشاركة النسائية في الحياة السياسية ما زالت محدودة بصورة لافتة. اليوم، لا تشغل النساء سوى منصب وزيرة واحدة في الحكومة الانتقالية، وستة مقاعد فقط في البرلمان الجديد، في مشهدٍ يعكس استمرار التحديات العميقة أمام المساواة السياسية رغم تغير الأنظمة.
هل الحكومة أعطت الفرصة؟
تكشف آراء الفاعلات السياسيات عن وجهي التحدي الذي تواجهه المرأة السورية اليوم: الأول يتعلق بطبيعة العملية السياسية، والثاني بالاستجابة النسائية نفسها.
ترى العضو في مجلس الشعب، رنكين عبدو، أن الحكومة السورية الحالية أتاحت فرصة حقيقية للمشاركة عبر تشكيل اللجان الناخبة. ومع ذلك، تشير النائبة إلى أن المشكلة تكمن في ضعف الاستجابة النسائية للفرصة، حيث تعاني النساء من “تخوف وعدم مبادرة كافية” للمنافسة على المراكز القيادية.
أكدت عبدو أن هذا القصور يعكس عدم استغلال المرأة للفرصة المتاحة بشكل صحيح، حتى في المناطق التي تعتبر متحررة اجتماعياً نسبياً. تقول عبدو ” مثلاً في مدينتي عفرين، ترشحت ثلاث سيدات فقط من أصل 25 مرشحاً تقريباً“
في المقابل، ترى الكاتبة بتول الشيخ أن “الحياة السياسية ما تزال غائبة وأن الجميع مشلولون سياسياً“. وفيما يخص مشاركة المرأة تحديداً، تؤكد الشيخ أن وجود النساء في السلطة حتى الآن هو “وجود شكلي وصوري” لا يعكس تمثيلاً حقيقياً لهن، وأن أي صورة حديثة للفاعلين السياسيين تُظهر بوضوح غياب العنصر النسائي الفعّال.
عنف موثق وتحديات “الاغتيال المعنوي“
تأتي الأرقام لترسم صورة قاتمة للتضحيات التي قدمتها النساء السوريات خلال الصراع. بين آذار 2011 وآذار 2021، سجلت تقارير «الشبكة السورية لحقوق الإنسان» مقتل أكثر من 16 ألف امرأة، وماتزال نحو 9,264 امرأة قيد الاعتقال أو الإخفاء القسري. كما وثقت 11,523 حادثة عنف جنسي، شملت نساء عاملات في المجال السياسي والإعلامي والإغاثة.
هذا العنف لا يقتصر على الصعيد المادي والجسدي. فقد تحدثت بتول الشيخ عن تحدياتها الشخصية، كاشفةً عن تأثير “حملات التشهير والاغتيال المعنوي” التي أدت إلى انسحابها من منصات التواصل الاجتماعي. ورغم ذلك، تؤكد الشيخ أن استمرارها في العمل المدني والصحفي والكتابي هو “فعل مقاومة وواجب” تراه ضرورياً للحفاظ على صوتها ووجودها.
قرار 1325: نافذة الأمل الأممية
في سنة 2000، اعتمد مجلس الأمن الدولي القرار رقم 1325، وهو نص محوري يركز على ضرورة إدماج العنصر النسائي في كافة مستويات اتخاذ القرارات المرتبطة بإدارة النزاعات وجهود السلام، إلى جانب ضمان سلامتهن من أي اعتداءات، وتوفير الآليات اللازمة لتمكين مشاركتهن المؤثرة. وبالرغم من الأهمية الاستثنائية لهذا القرار، فإن تنفيذه داخل سوريا واجه عقبات جسيمة نتيجة للظروف الأمنية والسياسية والاجتماعية المعقدة؛ ولكنه على الرغم من ذلك أضاء بصيصاً من الأمل أمام السوريات للمساهمة في رسم ملامح المستقبل.
تمثيل نسائي رغم التحديات
شهدت المرأة السورية، على الرغم من محدودية تأثيرها العددي، تقدماً لافتاً في الحضور ضمن الهيئات السياسية والتفاوضية العليا. وتجلى هذا التقدم عبر مشاركتهن في أجسام رئيسية؛ مثل الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة، حيث عملن على دمج قضاياهن في الأجندة السياسية. وكان الدور الأبرز في اللجنة الدستورية السورية التي أُنشئت برعاية أممية، حيث ضمنت مشاركتهن الضغط لإدراج مبادئ المساواة وحماية حقوق المرأة في صياغة الدستور. كما لعبت النساء دوراً حيوياً من خلال المجلس الاستشاري النسوي (SWAB)، الذي يعمل كآلية استشارية أساسية تقدم التوصيات مباشرةً إلى المبعوث الخاص للأمم المتحدة، بهدف دمج وجهات نظر المرأة في عملية السلام. هذا الحضور، الذي تم دعمه بوضوح من قبل المجتمع الدولي لتطبيق القرار 1325، ساهم في تعزيز تمثيلهن كجزء لا يتجزأ من أي حل سياسي مستقبلي، رغم بقاء التحدي كبيراً أمام تحقيق التمثيل المتكافئ والفعال.
أثبتت المرأة السورية، منذ ثريا الحافظ مروراً بآلاف الضحايا ، قدرتها على النضال. لكن المشهد السياسي الحالي يعكس أن الطريق ما يزال طويلاً.
دمشق- نيرمين عباس

