Foto: Canva Pro

من طفلة لاجئة لمدربة تعيد تعريف القوة!

الزواج القسري ليس سترا مثلما يسميه الاهالي والمجتمع، بل شكلا من أشكال العنف ضد الفتيات. ولعلّ قصة سارة مثال حيّ على ذلك فما إن بدأت الحرب في سوريا، حتى تحولت حياة سارة إلى حقيبة صغيرة، وذكريات مدرسية معلقة في الفراغ.

طفولة تسرق تحت خيام اللجوء

عبرت مع عائلتها الحدود إلى لبنان وهي في المرحلة الاعدادية، تجر خلفها حلم العودة الى المدرسة لتكمل مسارها التعليمي. هو حلم بسيط، لكن المخيم كان أبعد ما يكون عن حياة طبيعية، خيم متلاصقة، فقر، خوف من التحرش، وانعدام أي ضمانة للمستقبل، ومع ضغط الحياة وضيق ذات اليد، قررت عائلتها تزويجها وهي في السادسة عشرة، لم يُسأل عن رأيها، ولم يكن أمامها خيار آخر. عندها لا يكون الزواج بداية، بل نتيجة لواقع يدفع الفتيات نحو “الحماية” على الورق، والعنف بالواقع

المرض كوجه آخر للعنف ضد اللاجئات

حاولت سارة أن تتأقلم داخل بيت جديد لم يكن كما حلمت يوماً، ومع مرور الأيام تعلقت بفكرة الأمومة كتعويض عن حلمها المسلوب، لكن جسدها كان يرفض هذا الحمل الثقيل، فعاشت تجربة ثلاث إجهاضات متتالية، وبين الثقل النفسي الذي كان يزيد شعورها بالخوف والعجز والتساؤل عن الأسباب المجهولة قررت زيارة طبيب مختص، وعندها كانت الصدمة، التحاليل الطبية كشفت إصابتها بمرض انتقل إليها من زوجها الذي لم يكن يعلم أنه مصاب به، نتيجة علاقاته غير السوية، وهذا ما منع حملها خلال الفترات الماضية وأدى لاحقاً إلى استئصال الرحم.

ومع الوقت تحول الإهمال إلى إهانة، واللامبالاة إلى عنف نفسي يومي ، لتبدأ بعدها أول معركة في حياتها وهي الطلاق، في عمر يفترض أن تكون فيه طالبة لا مطلقة تواجه مجتمعاً يلومها بدل أن يحميها. بعد أشهر من الانتظار، وواقع جعلها تتخذ من الهروب حماية لنفسها من كل التهديدات التي كانت تصل لها من زوجها وعائلته، ووسط مجتمع لا يفكر إلا بإلقاء اللوم على الفتاة بدل أن يوفر الحماية والدعم لها، حصلت سارة على الطلاق.

العودة إلى سوريا

عادت سارة إلى سوريا هاربة حتى من أهلها، وقررت التصرف كمن يريد أن يستعيد عمراً سُرق منه. وبدأت رحلة إعادة البناء من الصفر، فمكثت في بيت جدها وعادت إلى مقاعد الدراسة. أنهت الشهادة الاعدادية والثانوية مع عملها في مصنع للطاقة البديلة، والتحقت بكلية التربية الرياضية لتكمل دراستها الجامعية.

لم يكن الطريق مفروشاً بالتشجيع بل بنظرات الأحكام المسبقة وتكاليف دراسة بالكاد تدفع، في الوقت نفسه، كانت تعاني من اضطرابات ما بعد الصدمة توتر وفقدان ثقة بالنفس ، فلجأت إلى العلاج النفسي وخلال جلسات أسبوعية أعادت ترتيب الفوضى الداخلية لديها، وهناك فهمت أن ما حدث لم يكن قدراً شخصياً، بل نتيجة مجتمع يحول البنات إلى ضحايا ويغطي ذلك بكلمة (سترة) ومع كل جلسة، استعادت جزءا من صوتها، وبدأت تتصالح مع جسدها وحياتها”.

بعد التخرج

حصلت على فرصة عمل كمدربة رياضية داخل سوريا، ثم انتقلت إلى العراق للعمل في أندية محترفة، أصبحت سارة مدربة معروفة. وفتيات كثيرات يأتين إليها ليتعلمن الرياضة، وبعضهن ليحكين قصصا مشابهة، كانت تقول لهن دائماً “القوة مو بس عضلات، القوة إنك توقفي من جديد”.

حقائق وأرقام تكشف الضحايا والآثار للزواج القسري للفتيات

قصة سارة ليست استثناء، فوفق تقرير UNICEF لعام 2022 ازدادت حالات الزواج المبكر في شمال غرب سوريا بشكل كبير، وغالباً ما يُقدم الزواج كـ “استراتيجية بقاء” في ظل الفقر وانقطاع التعليم، دراسة World Vision لعام 2023 كشفت أن نصف النساء في مناطق النزاع تزوجن قسراً لتخفيف الأعباء المالية أو خوفا من الاعتداء . تقريرWomen’s Refugee Commission لعام 2022 أظهر أن في لبنان أكثر من 40% من زواج اللاجئين السوريين يضم فتيات دون 18 عاماً، أما (2023) UNHCR فتؤكد أن معظم هذه الزيجات تتم عرفياً دون تسجيل، ما يعني عدم وجود أي حقوق قانونية للفتيات. وفي تركيا، وثقت Human Rights Watch عام 2022 انتشار الزواج العرفي لفتيات بعمر 16-14 دون حماية قانونية، مع تزايد الطلاق والعنف والاستغلال.

تظهر الاحصائيات مدى حجم العواقب التي تتحملها الفتيات نتيجة الزواج المبكر. فتبدأ بأبسط حقوقهم وهو التعليم لتصل لمضاعفات صحية بسبب الحمل المبكر و العنف الذي يؤدي إلى وفاة الفتيات ببعض الحالات، وفقدان طفولة كان يفترض أن تكون مرحلة لعب لا مرحلة أمومة، وصولاً الى الطلاق.

سارة لم تهرب من الحرب فقط، بل هربت من الظلم أيضاً

في النهاية حولت قصتها من صفحة ألم إلى صفحة قوة ولم تعد ضحية زواج قسري بل امرأة مستقلة، تعمل، تتعالج، تبني حياتها وتساعد غيرها، قصتها تقول إن التعليم ينقذ، وإن العلاج النفسي شجاعة، وإن الفتاة ليست عبناً ولا ملكا للعائلة، بل إنسانة كاملة تستحق مستقبلاً أمناً. سارة اليوم مشروع حياة حولت أحلامها إلى واقع ومستقبلها إلى قصة تختار تفاصيلها بنفسها كما كانت ترغب دائماً.

دمشق- نتيجة عبدو

Amal, Berlin!
Privacy Overview

This website uses cookies so that we can provide you with the best user experience possible. Cookie information is stored in your browser and performs functions such as recognising you when you return to our website and helping our team to understand which sections of the website you find most interesting and useful.