يمرّ الاقتصاد الألماني بحالة ركود مستمرة، كما تهدد تقنيات الذكاء الاصطناعي عدداً كبيراً من الوظائف. ومع ذلك، قد يتحول نقص العمالة الماهرة في السنوات المقبلة إلى أحد أكبر التحديات التي تواجه البلاد. إذ كشف تقرير صادر عن وزارة العمل الألمانية عن صورة مقلقة للوضع المتوقع في سوق العمل.
فجوة متوقعة في سوق العمل
بحلول عام 2029 سيزيد الطلب على العمالة الجديدة بنحو 440 ألف وظيفة مقارنة بعدد العمال المتوقع دخولهم سوق العمل. ويأتي ذلك رغم احتساب احتمال إلغاء نحو 450 ألف وظيفة بسبب الظروف الاقتصادية الحالية. ويُعد هذا الانخفاض في حجم القوى العاملة من أكبر التراجعات التي شهدتها ألمانيا خلال الأربعين عاماً الماضية.
ولا تُعد هذه التوقعات سيناريو نظرياً بعيداً عن الواقع، بل وردت في التوقعات المتوسطة الأجل لمرصد العمالة الماهرة التابع لوزارة العمل الألمانية. وهي جزء من ورقة سياسات لتطوير استراتيجية الحكومة الاتحادية للعمالة الماهرة، التي تعتزم وزيرة العمل بيربل باس إرسالها إلى زملائها في الحكومة، وفق ما أفادت به مجلة Der Spiegel.
وقالت باس إن “العمالة الماهرة المدربة جيداً عنصر حاسم لقدرة ألمانيا على الابتكار والتنافس والأداء الاقتصادي”. وأضافت أن الحكومة تعمل على تحديث استراتيجيتها للعمالة الماهرة في ظل اقتراب تقاعد جيل “الطفرة السكانية” (Babyboomer) والتغير السريع في التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.
التحول الديمغرافي يضغط بقوة
تشير التوقعات إلى أن عدد الأشخاص في سن العمل بين 15 و67 عاماً سيتراجع بحلول عام 2029 بنحو 1.9 مليون شخص. وفي الوقت نفسه، يتراجع عدد العمال القادمين من دول الاتحاد الأوروبي للعمل في وظائف خاضعة للتأمينات الاجتماعية.
وجاء في الورقة أن انخفاض صافي الهجرة سيؤدي إلى تراجع عدد العاملين المحتملين في سوق العمل بشكل أكبر مما كان متوقعاً في تقديرات سابقة. ويظهر تأثير التغير الديمغرافي بوضوح، إذ من المتوقع أن يتقاعد نحو خمسة ملايين موظف بحلول عام 2029. ونظراً إلى أن نحو ثلاثة ملايين منهم يحملون تدريباً مهنياً، فإن الطلب على العمالة الماهرة سيزداد بشكل خاص.
حتى مع تراجع عدد الوظائف المتاحة للعمالة الماهرة، لن يكون من الممكن شغل جميع الوظائف التي ستصبح شاغرة. كما أن التحولات الهيكلية في الاقتصاد سترفع مستوى المتطلبات المهنية للوظائف.
4.81 مليون وظيفة بحاجة إلى شغل
بحلول عام 2029 سيبلغ عدد الوظائف التي تحتاج إلى شغل نحو 4.81 مليون وظيفة، بينما سيدخل إلى سوق العمل نحو 4.37 مليون عامل فقط من خلال النظام التعليمي أو عبر الهجرة. وهذا يترك فجوة تُقدّر بنحو 440 ألف عامل.
تضاعف المهن التي تعاني نقصاً في العمالة
تشير الورقة أيضاً إلى أن الأرقام المجردة لا تعكس كل التعقيدات، إذ يجب أن تتطابق مؤهلات العاملين مع متطلبات أصحاب العمل وأن تتوافق جغرافياً أيضاً. ففي المناطق التي تختفي فيها وظائف في صناعة السيارات مثلاً، لا توجد بالضرورة مشاريع طاقة الرياح أو مرافق الرعاية الصحية التي تنشأ فيها الوظائف الجديدة. كما لا يمكن ببساطة أن يشغل الأشخاص أنفسهم هذه الوظائف المختلفة.
وتحذر التوقعات من أن عدد المهن التي تعاني نقصاً حاداً في العمالة قد يتضاعف من 20 مهنة حالياً إلى 41 مهنة بحلول عام 2029، أي ما يقارب ربع المهن في ألمانيا.
ومن المتوقع استمرار النقص خصوصاً في: وظائف تقنية المعلومات، والرعاية الصحية والتمريض، والمهن التقنية والإنتاجية. كما قد يظهر النقص أيضاً في: قطاع البناء، والخدمات اللوجستية، وأعمال التنظيف،وتحضير الأغذية. ويُعزى جزء من هذا الطلب إلى حزمة الاستثمارات الضخمة للحكومة الألمانية في البنية التحتية والدفاع.
وظائف أكثر تعقيداً في المستقبل
تشير التوقعات كذلك إلى أن التحولات الاقتصادية وتزايد التعقيد في بيئة العمل سيرفعان مستوى المتطلبات للوظائف الجديدة في السنوات المقبلة، بحيث تكون غالبية الوظائف المستقبلية على مستوى الخبراء والمتخصصين.
كما سيؤدي التوسع في استخدام الذكاء الاصطناعي إلى تغيير عالم العمل في معظم القطاعات، ما سيجبر العاملين على اكتساب مهارات جديدة.
استراتيجية جديدة للعمالة الماهرة
منذ عام 2012 وضعت الحكومة الألمانية عدة استراتيجيات لمواجهة نقص العمالة الماهرة، كان آخرها في 2022. وتسعى وزيرة العمل الآن إلى تطوير الاستراتيجية حتى عام 2027 بالتعاون مع بقية أعضاء الحكومة.
وتركز الاستراتيجية الحالية على خمسة مجالات رئيسية، من بينها: تحسين التعليم والتدريب المهني، وتقليل عدد الشباب الذين يتركون التعليم دون شهادة، وتعزيز التدريب المستمر للموظفين، وزيادة مشاركة النساء في سوق العمل، ورفع نسبة مشاركة كبار السن في العمل، وجذب عمالة ماهرة من خارج الاتحاد الأوروبي. كما ستضيف الاستراتيجية مجالات جديدة مثل: استخدام الذكاء الاصطناعي والرقمنة، وتعزيز التعاون والتشبيك بين المؤسسات.
ورش عمل إقليمية للعمالة
تعتزم باس إشراك الولايات الألمانية والبلديات إلى جانب الشركات والنقابات والمؤسسات التعليمية والبحثية في تطوير الاستراتيجية.
وسيتم تنظيم ما يسمى “ورش العمل الإقليمية للعمالة الماهرة” كمنتديات للنقاش حول الحلول الممكنة. ومن المقرر أن تطلق الوزيرة هذه المبادرة خلال زيارة مشتركة مع رئيس وزراء ولاية براندنبورغ ديتمار فويدكه إلى شركة Rolls-Royce في الولاية.

