Foto: Kay Nietfeld/dpa
11/03/2026

إعادة تشكيل جهاز الاستخبارات الألماني… تقليص الأقسام وتوسيع الاعتماد على الجواسيس

تُظهر إحدى اللوحات الكبيرة المعلّقة في مقر جهاز الاستخبارات الخارجية الألماني في حي برلين-ميته، مساحة بسيطة بلون أصفر. تحمل اللوحة اسم “فيكتور”. وخو الاسم الحركي لمصدر لدى جهاز الاستخبارات الألماني يُعد من أبرز نجاحات الاستخبارات الخارجية الألمانية: ليونيد كوترغين.
فقد عرض هذا العقيد في جهاز الاستخبارات السوفييتي KGB، المسؤول عن التجسس على جمهورية ألمانيا الاتحادية، خدماته كمخبر عام 1970 في القنصلية الألمانية الغربية في سالزبورغ. وعلى مدى 15 عاماً قدّم معلومات داخلية قيّمة من موسكو. اللوحة، التي يُفترض أن تخلّد ذكرى هذا المصدر البارز، هي عمل فني حديث، لكنها تبدو أيضاً وكأنها بقايا من زمن مضى، حين كان جهاز الاستخبارات الخارجية الألماني أكثر جرأة ونجاحاً في عملياته.

ييغر يعيد تشكيل جهاز الاستخبارات الألماني

وإذا كان الأمر متروكاً لرئيس الجهاز، مارتن ييغر، فإن الجهاز سيعود سريعاً إلى خوض مثل هذه العمليات الحساسة. وقال ييغر أمام البرلمان الألماني: «سنتحمل مخاطر أكبر بشكل متعمد ومنهجي». وبات واضحاً الآن أن الرئيس الجديد للاستخبارات الخارجية الألمانية جاد في تنفيذ هذا التوجه.
وبحسب تحقيقات مشتركة أجرتها مؤسسات إعلامية ألمانية، من بينها WDR وNDR وصحيفة Süddeutsche Zeitung، استناداً إلى مصادر في الأوساط الأمنية، فقد بدأ ييغر بالفعل عملية إعادة توجيه لعمل الجهاز. ويُفترض أن يحصل الجهاز على معلومات أكثر، ولهذا يخضع حالياً لعملية إعادة هيكلة سريعة، وذلك حتى قبل صدور قانون جديد قد يمنحه صلاحيات واسعة، تعمل الحكومة الألمانية حالياً على إعداده.
وبموجب هذه التغييرات، سيُخفض عدد الأقسام الرئيسية في الجهاز من ستة إلى خمسة، فيما يجري حالياً حلّ القسم “F” المسمّى «القدرات الاستخباراتية»، الأمر الذي أثار دهشة بعض الموظفين، إذ كان هذا القسم مسؤولاً حتى الآن، من بين أمور أخرى، عن التواصل مع هيئات أمنية أخرى داخل ألمانيا وخارجها.

إعادة تنظيم التجسس

وترغب قيادة الجهاز في إعادة تنظيم عمليات التجسس ضد بعض الدول، من خلال إنشاء ما يُعرف بـ«مراكز المهام» (Mission Centers)، إضافة إلى إشراك وحدات الجهاز العاملة داخل السفارات الألمانية حول العالم بشكل أكبر في جمع المعلومات. والهدف من ذلك هو إنتاج معلومات أكثر وبوتيرة أسرع. أما الشعار غير الرسمي لهذا التوجه فيتمثل في: «اجمعوا المعلومات، اجمعوا المعلومات، اجمعوا المعلومات».
ولن تقتصر التغييرات على العملاء العاملين في الخارج، بل ستشمل أيضاً مقر الجهاز في برلين. فبدلاً من الاجتماعات الدورية الكبرى التي كانت تُعقد أسبوعياً وفق ما يُعرف بـ«الوضع الاستخباراتي الأسبوعي» في المستشارية، يُخطط لعقد هذه الاجتماعات مستقبلاً بشكل يومي. ويبرر مسؤولون في الجهاز ذلك بالتطورات السريعة في الأوضاع السياسية العالمية.
كما يُتوقع أن يقدّم الجهاز مستقبلاً معلوماته إلى الرأي العام بصورة أكثر تكراراً، على سبيل المثال عبر وسائل التواصل الاجتماعي. وقد نُشرت بالفعل تقارير قصيرة من هذا النوع حول صناعة التسليح والوضع الاقتصادي في روسيا.
وعند الاستفسار عن هذه التغييرات، رفض الجهاز التعليق. وقالت متحدثة باسمه إن جهاز الاستخبارات الخارجية «لا يعلّق بشكل علني على المسائل التي قد تتعلق بمعلومات أو أنشطة استخباراتية». وأوضحت أن الجهاز يقدّم تقاريره «بشكل أساسي إلى الحكومة الاتحادية وإلى اللجان المختصة في البرلمان الألماني التي تعقد جلساتها بسرية».

إصلاح هيكلي جديد

إعادة هيكلة الهيئة، التي يعمل فيها نحو 6500 موظف، جاءت مفاجئة. ففي عام 2021 خضع الجهاز لإعادة تنظيم هيكلية شاملة ضمن مشروع إصلاحي أُطلق عليه «إعادة التنظيم». وأعدّت شركة استشارات خاصة هذا المفهوم مقابل ملايين اليوروهات، بهدف جعل الجهاز أكثر كفاءة. لكن الهيكلية الجديدة والتغييرات في الكوادر أثارت في بعض الأحيان حالة من الاستياء داخل المؤسسة، وكانت الأجواء في الجهاز خلال الفترة الأخيرة بعيدة عن المثالية. والآن يأتي إصلاح هيكلي جديد.
يقول مسؤولون سابقون في الجهاز إن المؤسسة أهملت على مدى سنوات طويلة نشاطها الاستخباراتي التقليدي الأساسي: تجنيد المصادر البشرية وإدارتها. ويظهر ذلك بشكل خاص في مجال مكافحة التجسس، أي محاولة استمالة عملاء الأجهزة المنافسة وتحويلهم إلى مصادر معلومات.
في المقابل، تلجأ أجهزة استخبارات أخرى إلى أساليب مبتكرة. فقد نشرت وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA) وجهاز الاستخبارات البريطاني MI6 مقاطع دعائية مصوّرة باحتراف، إلى جانب نماذج اتصال مشفّرة، لدعوة مسؤولين حكوميين وضباط استخبارات وعسكريين من الصين وروسيا إلى تقديم أنفسهم كمصادر معلومات.

مخاطر كبيرة

يُعد تجنيد المخبرين في الدول ذات الأنظمة السلطوية، مثل روسيا أو الصين، أمراً بالغ الخطورة. فإذا كُشف هؤلاء العملاء سيواجهون عقوبات قاسية، قد تصل إلى السجن لسنوات طويلة أو حتى الإعدام. أما موظفو الاستخبارات الذين يُضبطون أثناء محاولات تجنيد من هذا النوع فيُعتبرون «مكشوفين» وغالباً ما يُسحبون من مواقعهم. وهو خطر كبير قد يجر أيضاً عناوين إعلامية محرجة.
لذلك ركّز جهاز الاستخبارات الألماني في السنوات الأخيرة بشكل متزايد على الاستخبارات التقنية. إذ اعتقد البعض أن التكنولوجيا – مثل مراقبة الإنترنت والاتصالات الهاتفية أو اختراق الحواسيب – يمكن أن تعوّض الكثير. غير أن رئيس الجهاز السابق غيرهارد شيندلر يرى أن مصدراً بشرياً يتم تجنيده وإدارته على مدى طويل داخل حكومة أجنبية أو جهاز استخباراتي قد يقدّم في كثير من الأحيان معلومات أكثر أهمية.
كما حدث مع ليونيد كوترغين، المعروف بالاسم الحركي «فيكتور». فقد تجسس لأكثر من عقد من الزمن لصالح جهاز الاستخبارات الألماني داخل جهاز الاستخبارات السوفييتي. وعندما ظهرت في ثمانينيات القرن الماضي مؤشرات إلى احتمال كشفه، جرى تهريبه من موسكو. وبعد ذلك عاش بهوية جديدة وتوفي لاحقاً في المنفى.

المصدر

Amal, Berlin!
Privacy Overview

This website uses cookies so that we can provide you with the best user experience possible. Cookie information is stored in your browser and performs functions such as recognising you when you return to our website and helping our team to understand which sections of the website you find most interesting and useful.