في مدينة قلقيلية، شمال الضفة الغربية، وُلدت الحكاية. هناك بدأ محمد نزال رحلته مع الصحافة، ونسج تحديه الخاص مع الصورة، قبل أن يحمل كاميرته ويمضي بها إلى ما هو أبعد من حدود مدينته قلقيلية، إلى فلسطين بكل ما فيها من وجع وحكايات.
خريج الإعلام الشامل من جامعة بيرزيت، يتحدث عن تجربته بهدوء يشبه تأمله الطويل في الوجوه والأحداث التي يوثقها في الضفة الغربية، هدوء يخفي وراءه ثقل التجربة التي يحملها في كلماته. فمن بين الأحداث المؤلمة هناك، وُلدت صورة اختزلت المشهد، صورة كانت سبباً في فوزه، فتحول الواقع المؤلم الذي عايشه هو وكثيرون من أبناء جلدته إلى شهادة بصرية عبرت من الضفة الغربية إلى برلين، ومنها إلى العالم.
يقول إنه رأى في المسابقة فرصة لا تُفوَّت. “حكيت ممكن أشارك فيها”، يبتسم وهو يستعيد تلك اللحظات التي بدت عابرة يومها، لكنها غيرت مساره وكانت سبباً في فوزه. لم تكن تلك محطته الأولى، فقد سبق أن قُبل في برنامج “الزمالة” الذي طرحته مؤسسة MiCT، قبل أن يخوض غمار المسابقة التي فاز بها مؤخراً Open Eye Award 2026 ويصل إلى قائمتها النهائية.

الصورة الفائزة بالجائزة
كل صورة تحكي عن يوميات الفلسطينيين في الضفة الغربية
بالنسبة له، الصور التي عرضها في برلين “تتحدث عن نفسها”. لا تحتاج إلى كثير من الشرح، فعدسته التقطت مشاهد من الحياة اليومية التي يعيشها الناس في الضفة الغربية، في ظل واقع تتصاعد فيه الاعتداءات الإسرائيلية واعتداءات المستوطنين هناك. حتى بات الألم جزءاً من تفاصيل العيش اليومي للفلسطيني. يرى محمد أن وصوله إلى النهاية وتتويجه بالفوز لم يكن إنجازاً شخصياً فحسب، بل إنجازاً “للصوت الصحفي الفلسطيني” في مسعاه لإيصال الرواية الفلسطينية إلى العالم.
وعن الصورة التي لفتت انتباه لجنة التحكيم وكانت سبباً في فوزه، يشير محمد إلى مشهد اعتقال شاب فلسطيني وتجريده من ملابسه. يتوقف قليلاً قبل أن يصفها: “مشهد إنساني صعب ومؤلم”. في تلك اللحظة، لم تكن الكاميرا مجرد أداة توثيق، بل شاهدة على أحداث يومية تتكرر، تحمل في طياتها قسوة وألماً يتجاوزان حدود الاحتمال.
فخر وتأثير من قلب الضفة الغربية إلى برلين
شعور الفخر، يشير إليه محمد بأنه “يُعاش أكثر مما يُوصف”. يعتبر فوزه انتصاراً رمزياً للرواية الفلسطينية، واعترافاً بقوة الصورة في مواجهة السرديات المتصارعة.
لا يخفي محمد تأثره بفرحة عائلته وزملائه الصحفيين، ويؤكد أن أعماله عموماً، خاصة تلك التي توثق المشاهد الإنسانية والأحداث الصعبة في الضفة الغربية، تترك أثراً في الناس. “الصحافة تصنع الرأي العام”، يضيف بثقة، مستشهداً بما جرى خلال الحرب على غزة، حيث يرى أن التغطية الإعلامية غيرت مواقف عالمية وأعادت تسليط الضوء على معاناة الفلسطينيين، رغم ما يصفه بالجهود الإعلامية الإسرائيلية المضادة على مر السنوات.
في برلين، لمس تفاعلاً إنسانياً لافتاً من الجمهور الأوروبي بشكل عام، والألماني بشكل خاص. “استمعوا لما يعانيه الناس في الضفة الغربية”، يقول، مضيفاً أن تعاطفهم واهتمامهم شكلا لحظة تقدير له ولرسالته كصحفي فلسطيني نقل الصورة إليهم.

من أجواء المعرض
أول خطوة لمحمد خارج فلسطين
من أكثر القصص التي أثرت في نفسه هذه المرة، كانت لحظة مغادرته فلسطين للمرة الأولى في حياته بعد انتظار ثقيل. إذ كان محمد ممنوعاً من السفر لسنوات طويلة، “كنت ممنوع بسبب الاحتلال”. قبل أقل من عام، قرر تعيين محام لمتابعة قضيته، وتمكن أخيراً من إزالة منع السفر عنه.
يصف محمد رحلته من فلسطين إلى الأردن بأنها رحلة يفترض أن تستغرق ساعات قليلة، لكنها امتدت لما يقارب عشر ساعات حتى وصل إلى عمان، ومنها إلى برلين. لم تكن مجرد رحلة جغرافية، بل انتقالاً شعورياً عميقاً. يصفها بأنها تجربة “مذهلة ومختلفة”، لأنها منحته للمرة الأولى في حياته إحساساً حقيقياً بالأمان، وبحرية التنقل في شوارع مدينة لا تقطعها الحواجز.
بين حواجز الضفة الغربية وحرية برلين
في برلين، كما يروي، عايش تفاصيل بسيطة قد تبدو عادية للآخرين، لكنها بالنسبة له كانت استثنائية، كالسير في شوارع آمنة، بيوت آمنة بلا خوف، والتنقل دون تفتيش أو تهديد أو انتظار طويل على الحواجز. “أشياء بسيطة، لكنها كبيرة جداً بالنسبة إلنا”.
يقارن الصحفي الفلسطيني ذلك بما يعيشه الفلسطيني في الضفة الغربية، حيث يغيب الشعور الكامل بالأمان والحرية. يصف الواقع هناك بأنه أقرب إلى “سجن مفتوح”، يعيش فيه الناس تحت قيود دائمة، سواء كانت حواجز عسكرية أو تهديدات مفاجئة أو إجراءات تعيق الحركة اليومية.
ذلك التناقض بين المدينتين لم يكن مجرد مقارنة عابرة، بل تجربة وجودية تركت أثراً عميقاً فيه. “شعور غريب إنك تمشي في شوارع آمنة وتتحرك بسهولة”، يقول، وكأنه لا يزال يعيش دهشة الاكتشاف الأول لمعنى الحرية حين تُعاش بلا قيود.
“الصورة أبلغ من ألف خطاب”
في ختام حديثه، وجه رسالة إلى الصحفيين الشباب، وهو يعد نفسه واحداً منهم: “الطريق طويل وصعب وخطر، لكن في رسالة لازم توصل”. وبين الخطر والإيمان، يواصل الصحفي الفلسطيني محمد نزال السير بعدسته، مؤمناً بأن الصورة قد تكون أحياناً أبلغ من ألف خطاب.

