كل عام يأتي موسم الكرنفال لينشر البهجة في النفوس، الأطفال يسعدون به، يفرحون بحلواه وهداياه وبأزيائه التنكرية والفولكورية المتنوعة. موكب كبير من العربات المزينة يمر من أمامك، يقدم لك الموسيقى والورود، عربات يعتليها بشر من كل الأجناس يرتدون الملابس الموحدة فاقعة الألوان، وعلى الأرض تمر الفرق الموسيقية وفرق الرقص، وعلى الأرصفة باعة العصائر والمشروبات والشطائر، كل الجاليات تجد لها حضورا في الكرنفال عبر إحياء تراثها وعاداتها وتقاليدها من خلال الملابس أو الرقص أو الموسيقى أو الهدايا التي ترمي بها بلطف على المتفرجين الواقفين على جانبي الطريق، يصفقون ويشاركون الرقص والغناء ويضحكون ويحرصون على متابعة كل تفاصيل الكرنفال بدقة، حتى أنهم لا يتوقفون عن التقاط الصور أو نشر الحدث مباشرة عبر هواتفهم الذكية.
فلسفة الكرنفال… طرد الشتاء واستقبال الربيع
الغرض من الكرنفال هو احتفال شعبي لنشر البهجة وطرد الأرواح الشريرة التي كانت حاضرة، حسب معتقد الكرنفاليين، في الشتاء القارص المظلم الممطر، الخالية أشجاره من الأوراق والسناجب وأعشاش الطيور، ودخول فصل الربيع، أجمل فصول السنة، بروح صافية نقية صفت حساباتها مع الشر ودخلت عالم الفرح والحلوى والموسيقى والغناء والرقص والمناظر الجميلة بطاقة إيجابية تمكنها من معافرة الحياة وقسوتها ومتطلباتها التي لا تنتهي.
المولد النبوي… كرنفال روحي في بلادنا
قبل قدومنا إلى ألمانيا لم نعش تجربة الكرنفال على الطبيعة، كانت لدينا في بلادنا احتفالات صوفية تنشط في مولد النبي محمد عليه السلام، تضرب الدفوف وتتغنى بالمدائح النبوية وتوزع الحلوى المصنوعة من السكر والمكسرات وأيضا الطعام لكل الحضور، وغالبا ما تجد هذه الاحتفالات بمولد الرسول معارضة واعتداءات على الأضرحة والزوايا من التيارات الإسلامية المتشددة، حيث يعتبرونها بدعة وضلالة وكل ضلالة مصيرها النار، حتى أنهم ينتقدون عمل عصيدة الصباح بدبس التمر أو العسل وزيت الزيتون أو الزبدة التي تعدها ربات البيوت صباح مولد النبي، لكن احتفالات المولد النبوي وحلواه وعصيدته ومدائحه عادة ترسخت في الناس منذ مئات السنين، لا يمكن لأحد القدرة على اقتلاعها منهم. وأيضا هناك شخصيات تراثية ترتدي أزياء تنكرية، حاليا شبه منقرضة، كشخصية شيشباني وشخصية بوسعدية. الاحتفالات بمولد النبي محمد الغرض منها مدح الرسول باعتباره شفيع الأمة يوم القيامة بأذكار دينية وموشحات لكبار الشعراء كالبوصيري وكعب بن زهير وأحمد شوقي، ولكن لا علاقة للأمر بطرد الأرواح الشريرة كما في كرنفال ولاية شمال الراين وولاية بايرن، فالأرواح الشريرة لدينا هناك ليست شيئا غيبيا تطرده بأغنية أو رقصة أو بزي تنكري أو بموسيقى صاخبة، الأرواح الشريرة هناك حية تسعى على الطبيعة يمكنك رصدها في هيئة ديكتاتور يذبح شعبه جسديا ومعنويا صباحا ومساء من خلال أذرعه الأمنية وميليشياته المؤدلجة ومرتزقته، ورغم أن الاحتفال السنوي بمولد النبي ممول ذاتيا من مريدي الزوايا الصوفية وأهل المنطقة التي بها الزاوية فيبدو للملأ كرنفالا شعبيا صادقا يحييه الناس بحب ويتصالحون فيه مع أنفسهم ومع من كان بينهم وبينه سوء تفاهم، دقات الطبول والصاجات والبنادير وذكر الله والتغني بمناقب الرسول وأخلاقه الكريمة ورائحة البخور ومذاق حلوى الميلود التقليدية تصهر الناس في بوتقة واحدة تزخر بالحب والسلام، احتفالات عفوية تتمنى الحكومة وأزلامها أن يقام مثلها تمجيدا للديكتاتور أو الزعيم أو الملك، أن تحتفل من أجلي بصدق تلك أمنية كل إنسان.
كرنفال السلطة… احتفال بالإجبار لا بالفرح
في المقابل تقام احتفالات سنوية كبرى تصرف عليها ملايين الدنانير بمناسبة ذكرى الثورة أو الانقلاب أو القفز على كرسي الحكم واعتلاء السلطة المطلقة، فمثلا لدينا في ليبيا يوم 1 سبتمبر هو يوم الفاتح، عيد الثورة، اليوم الذي قام فيه القذافي بانقلاب على الملك الدستوري إدريس السنوسي ليجلس على كرسي الحكم لمدة 42 سنة قبل اقتلاعه من الحكم بواسطة الشعب ومساعدة دول المجتمع الدولي الذي بات القذافي يزعجها وقررت تنحيته عبر الربيع العربي. الاحتفال بذكرى الانقلاب يمكن تشبيهه بالكرنفال من ناحية العربات المزينة، لكن عربات الاحتفال بعيد الفاتح لا تجد عليها بالونات أو ألوانا مزركشة، أو ترمي لك حلوى أو زهورا أو تسمع من مكبرات صوتها موسيقى راقصة تبهج النفس، لا شيء يزين العربات سوى مقولات أيديولوجية للقائد من كتابه الأخضر أو من غيرها، عبارات تهاجم الإمبريالية وأمريكا، كل الشركات والمؤسسات والمصانع والمدارس عليها أن تعد عربة أو جرارا زراعيا أو شاحنة تزينها لكرنفال عيد الفاتح، ومن لا يفعل ذلك سيجد نفسه موضع شك في ولائه وقد تتم إقالته من منصبه، هذا إن كانت راضية عليه أمه فلم توجه له تهمة ازدراء الثورة أو خيانتها بعدم الاحتفال بها، هناك بالطبع من يرصد المشاركين بدقة من المسؤولين عن هذه الاحتفالات، من شارك في الاحتفالات ومن تجاهل الأمر دون عذر شرعي، احتفالات عيد الفاتح من سبتمبر تعتبر سبوبة رزق لكل المتملقين، ففي شهر أغسطس الذي يسميه النظام شهر هانيبال يتم صرف الأموال للجنة الاحتفالات حيث يتم اختلاس معظمها، لأن هذا الشهر هو الشهر الوحيد الكريم الذي يمولهم جيدا، فأمام عيد الثورة يفتح البنك المركزي أبوابه على مصراعيه ولا يدقق في كم صرف من أموال، فالثورة التي أبدعت أول جماهيرية في التاريخ لا يحاسبها أحد.
في ألمانيا… درس في التنوع والقبول
عندما جئنا إلى ألمانيا تفاجأنا بمفهوم جديد للاحتفالات من خلال الكرنفال حيث التنوع في الأزياء التنكرية والفولكلورية والتقليدية، ألوان عديدة أكثر من ألوان الطيف، ألوان تقبل بعضها وتصنع معا لوحة جميلة، لا لون يطرد الآخر أو يطغى عليه، نظرات الناس وذائقاتهم أيضا متنوعة، الهدايا التي ترمى من العربات متنوعة، حلويات متنوعة، أزهار متنوعة، ألعاب أطفال متنوعة، شطائر متنوعة، زجاجات خمور صغيرة ذات الرشفة الواحدة متنوعة، لا ترمى ناحية الأطفال، وترمى لكبار السن والبالغين، فهمنا من الكرنفال أن الحياة ليست لونا واحدا أو أغنية واحدة أو رقصة واحدة أو مذاقا واحدا، وعلينا أن ننصهر في هذا الخضم، نحتفظ بخصوصيتنا لكن نقبل خصوصيات الآخرين ولا نحاربها، كل عام أذهب وابنتي إلى احتفال الكرنفال معنا كيس فارغ، تحب ابنتي جمع الحلويات والهدايا التي ترميها العربات ناحيتها، هي لا تطلب من العجائز والشيوخ الذين يعتلون العربات ويرمون بالهدايا أن يرموا ناحيتها عبر رفع يديها أو فتح كيسها ورفعه إلى أعلى، لكن تغني أغنيتهم التي تعرف معناها بالألمانية، أو تبتسم لهم فيأتيها نصيبها، باقة زهور، بعض قطع الشوكولاتة، دمية دب صغير، كيس مناديل جيب، ميدالية، علكة، مصاصة، لعبة، وعندما يكون الكيس شبه ممتلئ تتأخر إلى الوراء، وتبدأ في التقاط الصور التذكارية، ومع انتهاء الكرنفال وعودة الحافلات للعمل وتفكيك باعة المشروبات الروحية والشطائر طاولاتهم من على الرصيف وحضور عمال شركة النظافة أورنج لرفع نفايات الكرنفال من الشوارع والميادين، ينتهي كرنفال التنوع وتكون الأرواح الشريرة قد تابت وصارت أرواحا خيرة تجعل الربيع يزهر أكثر، ويكون الجميع في سعادة، الكل ربح ولم يخسر شيئا، الكل رمم نفسه ووجدها بعد ضياع، حتى جامعي القارورات ذات الرصيد 25 سنتا سعداء جدا، لقد ملؤوا أكياسا كبيرة بالقارورات الفارغة، وينتظرون فقط فتح الأسواق لاستبدالها بمبلغ مالي محترم، أيضا أصحاب المقاهي والمطاعم في شارع الكرنفال يكسبون من خلال دفع يورو لكل من أراد دخول الحمام من جمهور الكرنفال، إيراد الحمامات في يوم الكرنفال من محتسي البيرة وفير جدا، هذا الكرنفال لا يقام في مدينة واحدة، كل المدن الألمانية تحتفل بالكرنفال، يشارك فيه الملايين من الألمان وغيرهم من الجنسيات الذين يبحثون عن ذرة فرح تعوضهم أحزانا عاشوها سابقا، أناس تريد أن تبتهج ولو لساعات، تريد رؤية أناس تغني وترقص ولا تعرف شيئا اسمه تنمر أو عنصرية، في الكرنفال الفرح هو الديكتاتور الوحيد المقبول من الجميع، لأنه ديكتاتور متسامح، يقبل بأن يكون الفرح متنوعا، كل مشارك يغني أو يرقص أو يضحك بطريقته، لا أحد يمنعه، الصخب الذي في الكرنفال نابع من قلوب كل البشر، والآذان لا تعتبره صخبا، والرؤية البصرية لا تعتبر تنوع الألوان والأزياء شذوذا أو تلوثا، حتى اقتصاد البلاد يزدهر بسبب الكرنفال، الكل يبيع، الكل يستهلك، الضرائب تقبض المال، تنتعش إيراداتها بعد شتاء فقير بائس جعل الناس تلزم بيوتها كدببة كسولة في بيات شتوي.
محمد الأصفر- روائي ليبي مقيم في بون

