Foto: Patrick Pleul/dpa-Zentralbild/dpa
18/02/2026

العنصرية في مؤسسات الدولة… حين تتحول الدوائر الرسمية إلى بيئات حاضنة للتمييز العنصري

بحسب MiGAZIN، تكشف دراسة كبرى حديثة أن العنصرية في الدوائر والهيئات الرسمية في ألمانيا ليست أمراً عابراً، بل ظاهرة يمكن رصدها بوضوح داخل البنى الإدارية نفسها. الدراسة، التي نسقها معهد “التماسك المجتمعي” بتمويل من وزارة الداخلية الاتحادية بقيمة ستة ملايين يورو، تُعد الأكبر من نوعها، إذ شملت نحو 13 ألف موظف في مؤسسات اتحادية رئيسية كالشرطة الاتحادية، والجمارك، والوكالة الاتحادية للعمل، والمكتب الاتحادي للهجرة واللاجئين، إلى جانب المقابلات والمراقبة الميدانية وتحليل الوثائق الرسمية.
لا تتجلى العنصرية هنا في عبارات مباشرة أو سلوك عدائي صريحٍ وواضح، بل في تفاصيلٍ يومية، في هامش التقدير الإداري مثلاً أو في ثقافة المؤسسة التي تحدد من يُمنح الثقة ومن يُقابل بالشك.

حين تختلف المعايير والمصداقية باختلاف الأصل

تشير نتائج الدراسة إلى أن طلبات متقدمين من رومانيا، حظيت بتقييم أقل من حيث المصداقية في تجربةٍ بحثية، ما انعكس في حصولهم على دعمٍ أقل. كما رُصدت معاملة أسوأ بحق السنتي والروما، والمسلمين، واللاجئين غير البيض، مقارنة باللاجئين البيض القادمين من أوكرانيا.
المفارقة أن الدراسة لم تجد “نسبة اجمالية أعلى” من المواقف التمييزية مقارنة بعامة السكان، إلا أنها أكدت وجود أنماط يمكن إثباتها في جميع أنواع المؤسسات. بعض المؤشرات جاءت أقل من المعدل المجتمعي، فيما ارتفعت أخرى، خاصة فيما يتعلق برفض اللاجئين لدى الشرطة الاتحادية والجمارك واعتبارهم عبئاً اجتماعياً.

صمت المتضررين هو خوف من اللاجدوى

تكشف الأرقام جانباً أكثر قسوة، إذ أفاد نحو 80% من المسلمين الذين شملهم استطلاع أضافي، بتعرضهم للتمييز في مؤسسات رسمية، فيما تحدث 40 إلى 50% عن تجارب عنصرية مباشرة في مراكز العمل، والدوائر الاجتماعية ودوائر الأجانب.
لكن الشاهد أن قلة قليلة فقط تتقدم بشكوى. السبب، كما يذكر معظمهم، هو القناعة بأن الشكوى لن تغير شيئاً. هذا الشعور باللاجدوى من تقديم الشكوى، يترك أثراً نفسياً عميقاً عليهم كالخوف من الفشل، وشكوك في الذات، وضغوط طويلة الأمد قد تتطور إلى حالات قلق مستمرة.

حين تتحول اللغة إلى أداة للتمييز

من بين المخاطر البنيوية التي رصدتها الدراسة مسألة إتقان اللغة، إذ لا يُتعامل معها كحاجز يمكن تجاوزه، بل كمعيار غير معلن لتحديد أحقية الدعم. فبينما يُقدَم العون لبعض المتقدمين بشكل استباقي، يُواجِه آخرون، خصوصاً من ذوي الكفاءة المحدودة في الألمانية، بالرفض أو يُختصر ملفهم في عبارة “نقص في اللغة”. وبهذا لا تعود اللغة مجرد أداة تواصل، بل تتحول إلى معيار انتقائي يحدد من يُمنح الدعم ومن يُترك لمواجهة مصيره. وحين يصبح تجاوز هذا العائق مرهوناً بحسن نية الموظف، تتحول مسألة لغوية إلى بوابة محتملة للتمييز.

توصيات الدراسة لسد الثغرات القانونية

وتوصي الدراسة السياسيين بسد الثغرات القانونية التي تحول دون تمكن المتضررين من الاستناد إلى قانون المساواة العام في تعاملهم مع مؤسسات الدولة في ألمانيا. كما تدعو إلى إنشاء جهات مستقلة لتلقي الشكاوي، وإطلاق برامج تدريبية متخصصة في نقد ومناهضة العنصرية لموظفي الإدارات العامة.
في المحصلة، ترسم الدراسة صورة معقدة، فالعنصرية ليست دائماً صريحة أو مباشرة، بل قد تتجذر في بنية المؤسسات ذاتها. وحين تتداخل القواعد مع الانطباعات الشخصية، تتحول الإجراءات الإدارية من أدواتٍ لخدمة المواطنين إلى حواجز صامتة ترسم حدود الفرص وتحدد مصائر الناس.

ريتا محليس 

Amal, Berlin!
Privacy Overview

This website uses cookies so that we can provide you with the best user experience possible. Cookie information is stored in your browser and performs functions such as recognising you when you return to our website and helping our team to understand which sections of the website you find most interesting and useful.