Foto: Canva Pro
15/01/2026

حين أظلمت برلين أضاءها الناس: دروس من الظلام وتحذيرات للمدن الأخرى

لم يكن الظلام الذي لف جنوب غرب برلين مجرد انقطاع في التيار الكهربائي، بل لحظة كاشفة للإنسانية. فجأة، بقي الإنسان وجهاً لوجه مع الإنسان. في تلك الأيام الباردة، تبين أن المدن لا تعيش بالكهرباء وحدها، بل بما يربط سكانها من تضامن وتكافل اجتماعي.

الكنيسة التي تحولت إلى بيت للجميع

في رعية إيماوس قرب محطة “أونكل تومس هوته”، لم يكن الصمت هو سيد المكان، بل حركة دائمة ووجوه تبحث عن دفء وأمان. تحولت الكنيسة إلى ملاذ للذين يشعرون بالبرد، ونقطة التقاء للمتطوعين أيضاً. تقول القسة كاتارينا فرايموت-لوه إن ما بقي في الذاكرة هو “الامتنان العميق”، لا الفوضى. الناس جاؤوا بقلوب مفتوحة وبلا خطط مسبقة. الأزمة لم تنتظر تنظيماً محكماً، بل دفعت الجميع إلى التحرك فوراً.
“بدأنا بالمساعدة، ثم جاءت الأفكار لاحقاً”، تقول القسة، مؤكدة أن التجربة أعادت للناس إحساسهم بأنهم جزء من منظومة قادرة دائماً على العطاء خاصة في ظل الأزمات.

ما بعد الطوارئ: ذاكرة تستعد لا تنسى

بعد عودة الكهرباء، لم تنتهِ القصة. الكنيسة اليوم تفكر في الاستعداد لأزمات قادمة، من تجهيزات بسيطة كسترات، إلى بناء شبكات تواصل أقوى، خاصة مع وسائل الإعلام. وتؤمن فرايموت-لوه أن الإعلام كان جسراً حيوياً، إذ جاء كثيرون بعدما قرأوا عن المبادرات التطوعية في الصحف.

 كيف أنار تضامن الناس عتمة مقهى في برلين

في شارع هادئ في شلاختنزيه، بقي مقهى “كافيه شلاخت” مفتوحاً، مضاء بالشموع. صاحبه ديرك هيلبيغ خسر الكثير من المال، ولن تعوضه شركة التأمين، لكن التجربة تركت فيه أثراً مختلفاً. يقول صاحب المقهى إنه تعلم كيف يدير التدفئة يدوياً، واشترى مولداً سيحتفظ به، لكنه قبل كل شيء تعلم درساً آخر وهو أن الاستغناء عن الأشياء ليس خسارة دائماً. ورغم الألم المادي، لم ينسَ هيلبيغ تضامن الناس معه. إذ قام أحد الزبائن بإطلاق حملة تبرعات للمقهى، لكنه يبتسم قائلًا: “أفضل أن يأتي الناس ويشربوا كأس شاي ..هذا يكفيني”.

حين يصبح الظلام خطراً على الحياة

بالنسبة لنزلاء دار رعاية المحتضرين في فانزيه كان انقطاع الكهرباء تهديداً مباشراً للحياة. ثلاثة عشر مريضاً نُقلوا على عجل إلى المستشفى، لأنهم يعتمدون على الأكسجين والتدفئة. عادوا بعد أيام، بعضهم بدموع في عينيه. يقول مدير الدار فالتر زايلر إن الخوف، والتنقل تركت آثاراً عميقة عليهم. ويرى زايلر أن الاستعداد للأزمات لا يقتصر على الأجهزة والمولدات، بل يبدأ من السؤال الأصعب: كيف نتصرف تجاه بعضنا البعض حين نُختبَر؟

متطوعون بلا راحة وبلا كهرباء أيضاً

في قلب الاستجابة الطارئة، وقف متطوعو الصليب الأحمر الألماني. توبياس هومان، أحد قادة الفرق، يصف أياماً طويلة وبرد قارس لا يرحم. المفارقة أن بعض المتطوعين كانوا هم أنفسهم بلا كهرباء أو تدفئة في بيوتهم، ومع ذلك واصلوا العمل. يطالب هومان بتجديد سيارات الإنقاذ القديمة، مؤكداً أن الجاهزية ليست رفاهية، خاصة مع تكرار الأزمات.

ما الذي تعلمته برلين؟

علمها الظلام أن الدولة تضع الهيكل والأساس، لكن المجتمع هو من يحييه بالتكافل والتضامن. وأن المقاهي يمكن أن تتحول إلى خطوط حياة. وأن السؤال الحقيقي في الأزمات ليس فقط ماذا نملك، بل من نكون حين نفقد كل شيء.

 تحذيرات من انقطاع الكهرباء في مدن أخر

حذرت السلطات الألمانية من تكرار انقطاع الكهرباء في مدن أخرى بعد الهجوم الأخير على شبكة الكهرباء في برلين، مشيرة إلى هشاشة البنى التحتية لبعض المدن. في المقابل، تتمتع مدن مثل هامبورغ وميونخ وفرانكفورت بشبكات كهرباء أكثر متانة، وقد استبعد الخبراء تعرضها لهجوم مماثل، مؤكدين أن التحويل السريع للتيار بين الخطوط في هذه المدن يقلل من احتمالية انقطاع الكهرباء.
وبين التحذيرات والطمأنينة، يبقى السؤال قائماً، هل تستطيع المدن الأخرى ذات البنى التحتية الأضعف، مواجهة مثل هذه التهديدات قبل فوات الأوان؟

ريتا محليس

المصدر

Amal, Berlin!
Privacy Overview

This website uses cookies so that we can provide you with the best user experience possible. Cookie information is stored in your browser and performs functions such as recognising you when you return to our website and helping our team to understand which sections of the website you find most interesting and useful.