حددت محكمة هانوفر الإقليمية يوم 23 كانون الثاني/ يناير جلسة للحكم في قضية مقتل الشابة الجزائرية رحمة عياط البالغة من العمر 26 عاماً. قُتلت رحمة طعناً بالسكين في الرابع من تموز/يوليو العام الماضي على يد جارها الألماني ألكسندر ك. والذي كان يسكن في الشقة التي تعلوها في حي Arnum بمدينة Hemmingen بالقرب من هانوفر.
اعترف الجاني بارتكاب الجريمة عقب إلقاء القبض عليه لكنه لم يذكر أسباب القتل حتى خلال المحاكمة، والتي بدأت الأسبوع الماضي وشهدت حضور عائلة رحمة التي حضرت من الجزائر. طالبت النيابة العامة أمس الاثنين بتطبيق أقصى العقوبة على المتهم بدون تخفيف للحكم. وقدم الطبيب النفسي المسؤول عن تقييم حالة المتهم تقريراً مطولاً أكد فيه على سلامة قواه العقلية ومسؤوليته الكاملة عن ارتكاب الجريمة.
ماذا حدث يوم وقوع الجريمة !
صباح يوم الجمعة الموافق للرابع من تموز/ يوليو العام الماضي هرع الجيران داخل مبنى سكني على صوت صراخ رحمة عياط تطلب المساعدة. كانت غارقة في الدماء على الدرج. وتوفيت متأثرة بجراحها بعد قليل من وصول المسعفين. بعد أن طعنها جارها ألكسندر ك. بسكين صيد في القلب والصدر والبطن.
ففي صباح يوم الجريمة طرق المتهم بعنف على باب الشقة التي تسكن فيها رحمة وكاد أن يكسره. فتحت الباب فاقتحم الشقة بالقوة وهاجمها المتهم علي حين غرة – وفقاً لبيان النيابة العامة في هانوفر – و طعنها بالسكين عدة طعنات في الجزء العلوي من جسدها، لكنها تمكنت من الزحف إلى الدرج بمفردها.
عثر عليها الجيران هناك وطلبوا الشرطة وخدمة الطوارئ. وفقاً لصحيفة (Haz) فقد تمكن المحققون من إثبات أن المتهم البالغ من العمر 31 عاماً كان يجلس أمام حاسوبه يقرأ رواية خيالية قبل الهجوم على رحمة وارتكاب الجريمة. ولم يُسجل أي نشاط على الحاسوب لمدة عشر دقائق تقريبًا. خلال هذه الفترة ارتكب جريمة القتل. وأضافت الصحيفة “بحسب تقرير المحققين ، أن المتهم نظّف السكين وبدّل ملابسه ثم استمر في قراءة روايته الخيالية حتى وصول الشرطة”.
الدافع وراء ارتكاب الجريمة
خلال الجلسة الأولى من المحاكمة في الأسبوع الماضي ذكر المتهم مبررات واهية وحاول جذب التعاطف له بالحديث عن حالته النفسية السيئة وإحساسه بالظلم في العمل وفي مكتب العمل وفي عيادات الأطباء، مما اضطره لترك عمله والبقاء في المنزل حيث لم يكن يغادره إلا نادراً. وأنه حاول الانتحار من قبل لكن لسوء الحظ لم ينجح.
لم يتطرق المتهم إلى ارتكابه الجريمة أو أسبابها ولم يُعرب عن إحساسه بالندم لقتله رحمة. لكنه تحدث عن إحساسه بالظلم والمشادات الكلامية مع صاحب الشقة التي كانت تسكن فيها رحمة بسبب التدخين وعدم قدرته على تهوية الشقة. جميعها أسباب رأتها النيابة العامة واهية. استبعدت النيابة العامة الدافع السياسي وراء جريمة القتل واعتبرتها خلافات بين الجيران.
قدم الطبيب النفسي أمس الاثنين تقريراً مطولاً عن حالة المتهم ألكسندر ك. وحضر الطبيب جلسات المحاكمة لتقييم الوضعي النفسي والعقلي للمتهم. يأتي ذلك بعد أن رفض المتهم الجلوس مع الطبيب النفسي خلال فترة حبسه الاحتياطي قبل بدء المحاكمة. وأقر الطبيب أن المتهم مسؤول مسؤولية كاملة عن أفعاله وفي كامل وعيه ولا يعاني من الاكتئاب أو الفصام الشخصي وأنه كان في كامل وعيه وقت ارتكاب الجريمة. قدمت النيابة العامة أيضاً مرافعتها بعد عرض تقرير الطبيب النفسي وطالبت بفرض أقصى العقوبة على المتهم وكذلك محامية عائلة المجني عليها توبجا سيزار.
توقف عن التدخين وإلا ستموت
أبلغ مالك العقار الشرطة في السابق عن قيام المتهم بترك رسالة تهديد على باب الشقة التي كانت تقيم فيها رحمة “توقف عن التدخين وإلا ستموت”. فقبل انتقال رحمة للسكن في الشقة كانت هناك خلافات بين صاحب الشقة والقاتل بسبب التدخين ورائحة الدخان التي تصل لشقة القاتل ألكسندر ك. فقد كان يركل باب شقة جاره بعنف وقيل إنه هدده مرة بالسكين.
وفقاً لعائلة رحمة فهي لم تكن على علم بتلك الخلافات قبل الانتقال للشقة. وفقاً للسيدة زهرة والدة رحمة فقد استأجرت ابنتها غرفة بشقة رجل ألماني مسن وزوجته في البناية. وانتقلت للسكن في الغرفة في تشرين الأول/أكتوبر 2024 حيث سُمح لها باستخدام الغرفة والمطبخ والمرحاض، أما غرفة المعيشة وغرفة نوم ثانية فكانت خاصة بمالك الشقة. وقد اعتاد صاحب الشقة أن يسافر ثم يعود للاطمئنان أن كل شيء على ما يرام. لكنه خلال السبعة أشهر الأخيرة قبل وقوع جريمة القتل لم تلتقيه رحمة وكانت بمفردها في الشقة. وتؤكد والدتها أن ابنتها لم تكن مدخنة مما يعني عدم وجود أي دخان سجائر يتصاعد من الشقة. حاولت المحققون استدعاء صاحب الشقة أكثر من مرة لكن رفض.
رحمة تعرضت لمضايقات من المتهم
اشتكت رحمة لأختها الصغرى أمل عدة مرات من سوء معاملة المتهم لها خلال فترة إقامتها في الشقة. وأنه كان يرمها بنظرات حادة إذا التقيا في الدرج. لم تكن رحمة تعرف الأسباب وراء تلك التصرفات وظنت أنه بسبب ارتدائها الحجاب، فهي الشابة الوحيدة المحجبة في المبني السكني. وقد اشتكت رحمة في السابق لأختها أن القاتل ركل باب الشقة بعنف من قبل وعندما فتحت الباب اشتكي القاتل من رائحة الدخان، لكنها لم تكن تدخن. كذلك شهدت صديقة لرحمة كانت تزورها في إحدى المرات وقضت الليلة معها في غرفتها، حيث تفاجأت من تصرفات جارها في الطابق العلوي – القاتل – الذي كان يضرب السقف بشدة ويمشي مثل خطوات الفيل لإزعاجها.
جلسة الحكم و القضية المدنية
طالبت النيابة العامة أمس الاثنين بتوقيع أقصى العقوبة على المتهم. والتي ترى أن المتهم هاجم الضحية على حين غرة واستغل حالة ضعفها وعجزها بالدفاع عن نفسها لارتكاب الجريمة، وهو ما يستوفي شرط الغدر في جريمة القتل، كما أنه قتلها بدافع تافه أو حتى بدون دافع، وهو ما يعتبر دافعًا دنيئًا. ووصفت المدعية العامة الجريمة بأنها “عبثية مُقلقة للغاية” وطالبت بأقصى عقوبة للمتهم الذي يبدو انطوائياً. إذا ما أخذت المحكمة بهذه التوصية، فسيواجه التهم عقوبة السجن لمدة 15 عاماً على الأقل، تليها فترة احتجاز وقائي غير محددة المدة. وسيتم الحكم في القضية يوم 23 يناير المقبل في الساعة الحادية عشر صباحاً بحضور عائلة رحمة عياط.
تقول زهرة عياط والدة رحمة إنها تؤمن أن ابنتها قتلت بسبب حجابها. فقد أخبرتها ابنتها الصغرى أمل بعد انتهاء إجراءات دفن أختها رحمة أنها اشتكت لها أكثر من مرة من سوء تعامل جارها – القاتل – لكنها خشيت أن تخبر والديها حتى لا يشعروا بالقلق عليها. بعد صدور الحكم ستتولى محامية العائلة توبجا سيزار رفع قضية مدنية ضد المتهم. فالعائلة تريد اثبات الدافع العنصري وراء ارتكاب جريمة القتل. فوالدتها لا ترى دافع آخر لقتل ابنتها سوى الكراهية والعنصرية. وفقاً لوالدة رحمة فقد تستغرق إجراءات التقاضي في تلك القضية نحو عام ونصف.

