Foto: Amal News
07/01/2026

عناوين تصنع القلق وشارع أقل عدائية كيف ترى النساء المهاجرات المحجّبات ألمانيا اليوم؟

«تصيبني التعليقات العنصرية التي أقرأها على صفحات التواصل الاجتماعي، وخصوصًا تلك المرافقة للأخبار المتعلقة باللاجئين في ألمانيا، بالإحباط، وكثيرًا ما تشعرني بالخوف. في تلك اللحظات، أشعر بأنني غير مرحَّب بي في هذا المجتمع، وأن هويتي كلاجئة سورية محجبة تجعلني هدفًا سهلًا للكراهية، حتى قبل أن أنطق بكلمة. لكن المفارقة تظهر حين أخرج إلى الشارع أو أستقل وسائل النقل العام، حيث يبدو الواقع مختلفًا عمّا تصنعه الشاشات؛ أكثر هدوءًا، وأقل عدائية مما توحي به عناوين الأخبار والتعليقات الغاضبة». هذا ما وصفت به مفيدة عنكير تجربتها مع العنصرية كامرأة محجبة.

بين العناوين والواقع اليومي

هذا التناقض بين الخوف المتشكّل عبر الإنترنت والحياة اليومية الفعلية لا يقتصر على تجربة فردية. فقد شهدت ألمانيا خلال السنوات الأخيرة تصاعدًا في الاعتداءات ذات الدوافع العنصرية، ما أثار قلقًا واسعًا حول المناخ الاجتماعي الذي يعيشه اللاجئون والمهاجرون. ووفق بيانات رسمية صادرة عن السلطات الألمانية، سُجّل خلال عام 2024 أكثر من 500 هجوم على لاجئين وطالبي لجوء، بينها اعتداءات جسدية وتهديدات مباشرة واستهداف لمساكن اللاجئين، في سياق تصاعد الجرائم ذات الدوافع العنصرية واليمينية المتطرفة.
ولا يمكن فصل هذا التصاعد عن خطاب الكراهية المتنامي في بعض وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، حيث تتداخل الصورة الإعلامية مع الواقع اليومي، وتتحوّل مسألة الأمان الشخصي والاندماج إلى هاجس دائم، خاصة لدى النساء المهاجرات.

مفيدة عنكير

مفيدة عنكير

شهادات نساء: عندما يتحوّل الخبر إلى عبء نفسي

في هذا السياق، تبرز التجربة الشخصية لكل امرأة مهاجرة كمدخل أساسي لفهم ما يحدث فعليًا. فبين ما تحمله العناوين الإخبارية من دلالات، وما يعيشه الإنسان على الأرض، تظهر فجوة واضحة لا يمكن تجاهلها. تصف مفيدة عنكير، المقيمة في مدينة شترالسوند منذ عشرة أعوام، هذا الشعور بقولها: «أول إحساس يأتيني عند مشاهدة أخبار العنف المرتبطة باللاجئين هو الارتجاف الداخلي، لأنها تعيدني إلى سبب وجودي هنا، وإلى الخوف من أن تُستغل أي حادثة فردية لتعميم صورة سيئة عنّا جميعًا».
وبالنسبة لمفيدة، لا يرتبط الخوف فقط بما قد يحدث فعليًا، بل بما قد يُقال، وبالنظرة التي يمكن أن تتشكّل تجاه مجتمع كامل بسبب حادثة واحدة. وتضيف: «الأمان يصبح هشًّا حين يكون مصيره مرتبطًا بما يُنشر على الشاشات، لأن أي حادثة فردية قد تنقلب على مجتمع كامل».

الإعلام وصناعة الخوف الجماعي

توضح مفيدة أن تعرّضها لاعتداء مباشر في الشارع جعلها أكثر حساسية تجاه التغطيات الإعلامية، وأكثر وعيًا بخطورة التعميم، خاصة عندما تُقدَّم الأحداث خارج سياقها أو من دون تمييز بين الفرد والجماعة. ورغم ذلك، تشير إلى فجوة واضحة بين الصورة التي تُبنى في الأخبار، وما يعيشه الإنسان في حياته اليومية: «الإعلام يضخّم الأحداث ويصنع خوفًا جماعيًا، بينما الواقع اليومي أبسط وأكثر إنسانية. الناس في معظمهم لطفاء، وما يظهر في الإعلام هو الاستثناء». هذه المفارقة تعيشها كثير من النساء المهاجرات، حيث يتشكّل الخوف عبر العناوين، بينما تبني العلاقات اليومية الصغيرة شعورًا بالطمأنينة والانتماء.

داليدا بدلة

داليدا بدلة

نساء يحاولن الفصل بين الإنترنت والحياة

تؤكد هذا المعنى أيضًا داليدا بدلة، وهي سورية تدرس الحقوق وتعيش في مدينة إيسن منذ نحو ثماني سنوات، إذ تقول: «أحاول ألا أربط الأخبار بالواقع، لأنني لا أشعر أنني مستهدفة كلاجئة. على وسائل التواصل الاجتماعي تبدو الأمور مبالغًا بها جدًا، بينما حياتي اليومية تسير بشكل طبيعي». وتعبّر سيدرا الأسعد، المقيمة في برلين منذ نحو عام، عن موقف مشابه بقولها: «لا أتابع الأخبار بشكل عام، ولا يعنيني ما يحدث على الإنترنت. في برلين أشعر بالأمان أكثر مما كنت عليه في تركيا، التي يُفترض أنني أشبه شعبها. هنا يوجد تنوّع أكبر». سيدرا، امرأة سورية محجبة، تعمل كمساعدة ممرضة في مستشفى شاريتيه في برلين، وانتقلت من تركيا إلى ألمانيا قبل عام بغرض العمل.

قوانين موجودة ومسؤولية إعلامية

في المقابل، تمتلك ألمانيا أطرًا قانونية واضحة لمكافحة خطاب الكراهية والتحريض على العداء، إلى جانب مؤسسات رسمية تُعنى بمكافحة التمييز وتقديم الدعم للمتضررين. غير أن فعالية هذه القوانين تبقى مرتبطة بمدى تطبيقها، وبالدور الذي تلعبه وسائل الإعلام في تقديم تغطية مسؤولة لا تقوم على التعميم أو التخويف. وتضيف سيدرا: «هنا تشعر أنه لا تسامح مع مرتكبي الأخطاء ومخالفي القوانين، وهذا ما يجعلني أشعر بالأمان للعيش هنا».

سيدرا الأسعد

سيدرا الأسعد

تكشف تجارب النساء المهاجرات عن فجوة حقيقية بين ما تصنعه عناوين الأخبار والتعليقات الرقمية، وبين واقع الحياة اليومية الأكثر تعقيدًا وإنسانية. فجوة تضع على عاتق الإعلام مسؤولية مضاعفة: نقل الوقائع دون تضخيم، ومساءلة الخطاب السائد، بدل المساهمة في إنتاج خوف جماعي تدفع ثمنه نساء يحاولن ببساطة أن يعشن بأمان وانتماء في مجتمع جديد.

برلين- رولا بيطار

Amal, Berlin!
Privacy Overview

This website uses cookies so that we can provide you with the best user experience possible. Cookie information is stored in your browser and performs functions such as recognising you when you return to our website and helping our team to understand which sections of the website you find most interesting and useful.