Foto: Canva Pro
23/12/2025

الشباب ووسائل التواصل الاجتماعي: بين الهجران، الإدمان

“لن أقترب منها بعد اليوم”، هو قرار يتخذه أغلبنا كل يوم صباحاً. لكن كل يوم أيضاً ودون أن نشعر نجلس عدّة ساعات لنتصفّح متنقلين بين الفيسبوك، الإنستغرام، التكتوك واليوتيوب وغيرها. نغوص وسط فوضى من المنشورات التي تقود إلى الجنون أحياناً. ونقرر أن نبتعد عنها، فنحذفها. لكننا نشعر بعدها أننا بعيدون عن كل شيء، وأن هناك أحداث وقصص تحدث بعيداً عنا.

تسويق للتطرّف، للمثالية المفرطة، لخيال ينمو وكثيراً ما يقضي على الواقع. ومايزيد الطين بلّة هو الأمن الشخصي وحماية البيانات الخاصة. فمثلاً: كيف لوسائل التواصل الاجتماعي أن تعرف ما نفكّر بشرائه قبل أن نبحث عنه؟ هذه الظواهر وغيرها لم تعد مجرد صدفة، بل تعكس مدى تغلغل هذه المنصات في حياتنا اليومية، بل تثبت أنها أصبحت جزءاً أساسياً من الروتين اليومي ومصدراً للتأثير وصناعة القرار.

تحوّل العلاقة مع وسائل التواصل الاجتماعي

ولهذه الأسباب وغيرها شهدت السنوات الأخيرة تغيراً واضحاً في طريقة تعامل المستخدمين مع وسائل التواصل الاجتماعي. فبينما يختار البعض الابتعاد عنها أو حذف حساباتهم، يعاني آخرون من الإفراط في استخدامها إلى حد الإدمان. هذا التناقض يعكس علاقة معقدة تجمع بين الحاجة للتواصل والخوف من فقدان السيطرة.

وداعاً لوسائل التواصل الاجتماعي؟

تشير بيانات موقع Statista، استناداً إلى استطلاع أجرته شركة Deloitte، إلى أن التخلي عن وسائل التواصل الاجتماعي ما يزال محدوداً نسبياً، لكنه أكثر وضوحاً بين فئتي الشباب (18–24 عاماً) وكبار السن (65–75 عاماً). وتتنوع أسباب هذا الابتعاد، إذ يرى 32% من المشاركين أن المحتوى أصبح مملاً، بينما اعترف 22% بأنهم يقضون وقتاً أطول من اللازم على هذه المنصات. كما تشكل مخاوف الخصوصية وأمن البيانات، إضافة إلى انتشار المعلومات المضللة، أسباباً رئيسية لإعادة التفكير في استخدام هذه الوسائل.

السرعة مقابل العمق: لماذا تغيّرت المنصات المفضلة؟

تفسّر “ليال” هذا التحول بأن الناس باتت تبحث عن السرعة في تلقي الأخبار والمحتوى. فبينما “يعتمد فيسبوك على النصوص والقراءة، توفر منصات مثل إنستغرام وتيك توك محتوى بصرياً سريعاً وسهل الاستهلاك. وهذا لا يقتصر على المحتوى الترفيهي فقط، بل يشمل الأخبار السياسية والثقافية أيضاً”.

التأثير الخفي على الشخصية والقرارات

وترى “ليال” أن تأثير وسائل التواصل الاجتماعي أمر لا مفر منه، حتى عندما نعتقد أننا غير متأثرين. فهي “تؤثر في قراراتنا، وتوجهاتنا، وحتى في أسلوب حياتنا ولباسنا. ويكمن الخطر الأكبر في الصورة غير المكتملة التي تقدمها هذه المنصات، حيث نرى اللحظات الجميلة فقط، بينما تخفى فترات الضغط والحزن علينا، ما قد يترك أثراً نفسياً سلبياً لدى من يعيشون ظروفاً صعبة”.

تراجع شعبية المنصات بين الشباب

ووفقاً لـ الدراسة الرقمية للشباب 2025 التي نشرتها radiowmw نقلاً عن مؤسسة بوست بنك، تراجع استخدام منصات مثل إنستغرام، يوتيوب، واتساب، وتيك توك بين الشباب في ألمانيا (16–18 عاماً). ويرتبط هذا التراجع بازدياد مظاهر الكراهية والعدوان، إضافة إلى انتشار الأخبار الكاذبة، ما دفع أكثر من نصف المشاركين إلى إلغاء اشتراكهم في قنوات أو حسابات على هذه المنصات.

الإدمان الرقمي: الخطر الصامت

على الرغم من هذا التراجع، ما يزال خطر الإدمان الرقمي قائماً. إذ تشير تقارير NDR إلى أن واحداً من كل أربعة مراهقين يُظهر علامات إدمان الهاتف المحمول، ويقضي بعضهم ما يصل إلى ثماني أو تسع ساعات يومياً على الإنترنت. ويحذّر الخبراء من أن عدم اكتمال نمو القدرة على ضبط النفس قبل سن العشرين يجعل الشباب أكثر عرضة للتأثر بالخوارزميات.

إنستغرام بين التفاعل والاستنزاف العاطفي

ولا يخفى علينا جميعاً مدى تأثير هذه الوسائل على استقرارنا العاطفي. وهو ما توضحه “سعاد”. “إنستغرام هو المنصة الأكثر تفاعلاً بالنسبة لي، لكنه في الوقت نفسه الأكثر استنزافاً لوقتي ومشاعري. فالصورة المثالية الدائمة التي يعرضها التطبيق تخلق شعوراً بعدم الرضا، وتدفع إلى مقارنة لا إرادية، حتى مع الوعي بأن هذه الصورة لا تمثل الواقع الكامل”.

فيسبوك: من مساحة اجتماعية إلى منصة نقد

كما تشير “سعاد” إلى أن فيسبوك تحوّل إلى منصة يغلب عليها النقد والسلبية، أكثر من مشاركة الإنجازات والأفراح. ولهذا السبب، ” أشارك اللحظات الإيجابية على إنستغرام، بينما أستخدم فيسبوك للتعبير عن الاستياء أو الانتقاد”.

محاولات المواجهة والمسؤولية المشتركة

أمام هذه التحديات كان لابدّ من القيام بإجراءات تساهم في الحدّ من استخدام وسائل التواصل بين الشباب الذين مازالوا تحت السن القانوني. وبدأت بعض الولايات الألمانية بالفعل بحظر استخدام الهواتف المحمولة في المدارس، كما ظهرت دعوات لتقييد استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لمن هم دون 16 عاماً. غير أن المسؤولية لا تقع على الحكومات فقط، بل تشمل أيضاً المدارس، والأهل، وشركات التكنولوجيا الكبرى.

الاستراحة الرقمية كخيار واعٍ

وفي هذا السياق، تمثل تجربة “سعاد” في أخذ فترات استراحة من وسائل التواصل الاجتماعي محاولة واعية لاستعادة التوازن النفسي والعودة إلى الحياة الخاصة دون مقارنتها بحياة الآخرين. وهو خيار يعكس وعياً متزايداً بأن الحل لا يكمن في الهجر الكامل، بل في الاستخدام الواعي ووضع حدود واضحة.

Amal, Berlin!
Privacy Overview

This website uses cookies so that we can provide you with the best user experience possible. Cookie information is stored in your browser and performs functions such as recognising you when you return to our website and helping our team to understand which sections of the website you find most interesting and useful.