يُعدّ حضور المرأة في أي مجتمع مؤشراً واضحاً على مستوى تقدّمه أو تراجعه؛ فهي المربّية والركيزة الأولى للتنشئة الثقافية. وفي المجتمعات المتخلّفة يُقصى دورها عن الحضور العام، فتُحرم من التعليم والعمل وتُقيَّد بعادات تحدّ من مشاركتها في الحياة العامة. أمّا في سوريا، فيبدو المشهد مختلفاً؛ إذ تحظى المرأة بدور فعّال في نشر الثقافة السورية بمختلف أشكالها.
المرأة في المناصب الثقافية
يُسجَّل حضور شبه مُرضٍ للمرأة في معظم المراكز الثقافية، إلى جانب دورها في الحفاظ على الهوية الوطنية. وتؤكد الموظفة ر.م من أحد المراكز الثقافية أنّ النساء في سوريا أصبحن أكثر تفاؤلاً بعد التحرّر من نظام الأسد البائد، ويطمحن للمساهمة في إعادة البناء ضمن الإدارة الجديدة. وتشير إلى أن المرأة قادرة على إدارة الشؤون الثقافية بكفاءة مع توافر الكادر الفني المناسب، وأنه لم يعد هناك نظر نمطي يحدّ من مشاركتها، سواء في مجالات الصيانة أو الإدارة أو الفعاليات الثقافية، وصولاً إلى المناصب القيادية والفنية بمختلف مجالاتها. كما تتلقى المرأة معاملة مهنية أسوة بالرجل من حيث متطلبات العمل وضغوطه.
صعوبات الحضور الثقافي والإعلامي
رغم أنّ المرأة السورية ظهرت عبر مختلف وسائل الإعلام، إلا أنّ حضور المحجّبات ظلّ مقصوراً لفترة طويلة على الظهور الشكلي فقط، رغم وجودهن القوي في المبادرات التطوعية والفعاليات الاقتصادية والمهرجانات. وتوضح الشابة س.ح، خرّيجة كلية الإعلام، أنّ تفوقها الدراسي لم يشفع لها في الحصول على عمل سابقاً بسبب الصورة النمطية تجاه المرأة المحجّبة، إذ كان يُنظر إليها على أنها غير قادرة على تمثيل المؤسسات الإعلامية أو المشاركة في الفعاليات الثقافية. وبعد سقوط النظام تغيّر الواقع تماماً، وتنوّعت أمامها فرص العمل ضمن المجالات الإعلامية والثقافية في المراكز الجديدة.
تقول س.ح إنّ الدعم الذي حصلت عليه مؤخراً منحها ثقة أكبر في ممارسة عملها، وإن حضور المرأة بكل تنوّعاتها بات جزءاً طبيعياً من المشهد الثقافي. وتضيف أنّ مرحلة التحرير شهدت مخاوف كبيرة من سيطرة تشدد ديني قد يمنع العروض الفنية، ما أدى حينها إلى اقتصار النشاطات على الأناشيد الدينية وحفلات التكريم باعتبار العروض الفنية مخالفة للتعاليم الدينية.
وتشير ل.ا إلى أنّ العروض الفنية عادت فعلياً منذ أكثر من شهرين في مختلف المراكز الثقافية، وترافق ذلك مع تعيين نساء في مناصب مهمة، فيما حافظت أخريات على مواقعهن تبعاً لكفاءتهن وشهاداتهن.
حضور المرأة… جوهر المشهد الثقافي
يعتمد الواقع الثقافي على حضور المرأة بوصفه عنصراً أساسياً في صناعة الهوية الوطنية وتعزيزها، من خلال دعم مواهبها وتنميتها في المعاهد التابعة لوزارة الثقافة. فلا يمكن الحديث عن ثقافة أو حضارة دون امرأة تحمل التراث وتنقله عبر الأجيال.
دمشق: علي النجار

