في سوريا، وفي الوقت الراهن تحديداً، تعاني النساء من تراجعٍ واضح في تواجدهنّ في القطاع العام، واستسلاماً على الصعيد المادي والمعنوي. لكن هذا الاستسلام لم يكن سريعاً ولا سهلاً؛ لأن المرأة السورية تعرضت لظروفٍ تعجيزية لتستطيع فقط، أن تحافظ على جزء صغير من تواجدها المجتمعي، والسؤال الأهم، إلامَ تعود هذه الحالة؟ ولمَ تحظَ المرأة السورية حتى الآن، ولو بشيءٍ من الحقوق أو الأماكن اللائقة بها، بعد هذه التطورات العالمية والمناشدات بحقوق المرأة؟
الأنثى السورية بين قيود المجتمع الشرقي
في ذلك السياق هذه الحالة ليست مستجدة، فالمرأة بدأت ترتبط منذ الستينات بوظائف وصور معينة تحكمها الجندرة، حسب “المركز العربي لدراسات سورية المعاصرة”، أبرزها الصور النمطية التي فرضها المجتمع الشرقي، الذي يشترط على الإناث عدم إنهاء دراستهن أو توقفهن عند الشهادة الثانوية أو حتى الإعدادية؛ لإعدادهن للتوجه إلى الزواج والعمل في المنزل ـ الذي هو بدوره عمل شاق أيضاً ـ بالإضافة إلى أن الكثير من الرجال يرفضون رفضاً باتاً فكرة المرأة المتزوجة العاملة، وحسب الدراسات التي أظهرتها منصة “سوق العمل” عام 2022 فنسبة البطالة عند الإناث تشكل نحو 36.6% بينما بلغت حوالي 15.7% عند الرجال.
لم يتوقف تقييد المرأة السورية عند الصور النمطية الشرقية فقط، بل ما زاد الطين بلة، أنه، ورغم، الافتقار للعنصر النسائي الموجود أصلاً، بدأت النساء العاملات تتعرض لموجة هائجة من الطرد والاستبعاد من شتى الوظائف بعد سقوط نظام الأسد، إذ سرحت الحكومة الجديدة آلاف النساء العاملات في القطاع العام حسب منظمة “Syrians For Truth And Justice”. فتقول جمانة (55) عام بخصوص ذلك: عملت لأكثر من ثلاثين عام كمحررة أخبار في عدة صحف سورية، وبعد سقوط النظام، سُرّحت من العمل، والآن لا أملك وظيفة، غير أني لم أستلم سوى راتب شهرين منذ قرابة سنة.
المرأة العاملة ضحية الوضع الأمني
ترك سقوط النظام السابق، الذي أثر على جميع نواحي العمل في سوريا، خلفه حالة تهديديّة للمرأة العاملة في بعض المناطق التي تعاني من حوادث أمنية كالقتل والخطف والتعرض لها، فباتت الوظائف لدى الشركات البعيدة عن مراكز المدن تحدياً للمرأة السورية العاملة، مما أجبر العديد منهن على ترك العمل.
تجربة كريستين
أنا معيلة للمنزل، أعيش أنا وأمي لوحدنا، كنت أعمل في معمل بمنطقة المليحة، بعد السقوط تركت العمل لأن المنطقة لم تعد آمنة، ولا متقبلة لوجودي، وحتى الآن لم أجد عمل آخر.
تسليع المرأة التحدي الأقسى
بالحديث عن تنميط المرأة والصعوبات التي تواجهها، يجدر بالذكر أيضاً، التنويه للصورة النمطية التي منهجتها بعض الشركات الإعلانية، وهي الصورة التي تربط وجه المرأة وجسدها بإعلانات ذات إيحاءات جنسية غرضها جذب الزبائن، أو حتى الوظائف المتعلقة بالمظهر، كموظفات الاستقبال وعارضات الملابس.
تجربة منى
“حصلت على عدة شهادات تدريبية للإعلانات الخدمية، أخيراً، قُبلت سيرتي الذاتية في إحدى الشركات، وبعد وصولي لمكان العمل من أجل المقابلة، اتضح أن قبولي لم يكن لاجتهادي وتميز سيرتي الذاتية، بل لصورتي في السيرة! فموظف الموارد البشرية رأى أن وجهي جميل! وهو يصلح لأن أكون الوجه الإعلاني للترويج لعطر فرموني”.
تهميش العاملات السوريات إلى متى؟
وهنا يطرح هذا السؤال نفسه، لمَ يصمت المجتمع عن أبسط حقوق المرأة السورية؟ لمَ لا يتحدث عن معاناتها مع الصور النمطية المجندرة والأحكام الاستباقية التي تلاحقها في كل مكان وكل تفصيل؟ ولم تتحدث الحكومة عن هذه القضية حتى الآن. ولم تصدر أي قانون يعاقب المتحرشين بالمرأة أو معنفيها، أو حتى ما يخص شأن عمالتها.
دمشق- ماري محفوض

