Foto: Mohammad Hammouda

طفلة الحقل…وبقايا أحلامها

اعتادت أن تستيقظ قبل صياح الديك بمدةٍ يسيرة، رغم أنها آخر من ينام في منزل عائلتها، أو ليس منزل، فكلمة منزل فضفاضةٌ جداً للكهف الذي كانت تعيش فيه وسط الأراضي الزراعية في قريةٍ جبليةٍ نائيةٍبين شابين تتوسطهما أمينة، ولعائلة يكادُ الفقر ينخرُ فيها، تقول: “بالشغل ما في فرق بين الشاب والبنت، كلو واحد“.

تعود بنا الذاكرة إلى أيام الزمن الماضي التي يصفها البعض بأنها الزمن الجميل، رغم أننا لا نستطيع التأكد من ذلكآنذاك، لكل فردٍ من أفراد العائلة اختصاصهُ، طبعاً ليس الاختصاص العملي أو الأكاديمي المُتعارف عليه الآن، فنحن نتحدث عن أيام الزمن الماضي، والاختصاصات حينها كانت في الأرض، أي الحقل، المتنفس الوحيد لأبناء ذلك الزمن.

جرس المدرسة أو جرس البقرة

تناوبت أمينة بين اختصاصين: حصد سنابل القمح أسبوعياً، وحَلْبُ البقرة يومياً، وتقول بدهشة: “ولو تعرف شو يعني بقرة على أيامنا“.  كُلُّ وعاءٍ تملأهُ بالحليب، هو قوتٌ لعائلتها في المنزل، لا ليشربوه، بل ليبيعوه (ويستروا حالهم بقرشين).

تمنّت أن تسمع جرس المدرسة، لا الجرس الذي يُربط برأس البقرة لتتبعها أثناء الرعي، لكن الحظ لم يحالفها؛ لأن مدرستها كانت الحقل (الأرض الزراعية)، وقلمها هو المِنجل (أداة زراعية)، وامتحانها بين سنابل القمح ودُلي الحليب، وليس بين المقاعد والصفوف.

من تحت الدلف لتحت المزراب

لا تعرف أمينة يومَ الثامن من آذار (يوم المرأة العالمي)، ولا دلالته، لكنها تعرف يوم الثامن من نيسان عامَ 1975، حين تزوّجت؛ فالتقليدُ الأعمى لتجربةِ الآباء في الزواج المبكر، واستنساخ الموروثات الفكرية، كانا الغالبين حينها، والانتقال من الريف إلى المدينة فرصةً لا تُعوَّض، أمّا رأي أمينة فكان آخرَ ما يُؤخَذ به. لتقول في النهاية: “المهمّما عاد في شغل بالأرض.”

لم يحصل أيّ تغيير يُذكر بعد زواج أمينة، بل من سيّئٍ إلى أسوأ؛ وجدت نفسها في المعاناة والشقاء نفسيهما، لكن هذه المرة بصبغة الزواج الشهيرة، وهي الأولاد. أمّا زوجها، فتقول عنه: “متل قلتو، أكل ومرعى وقلة صنعة.”

معاناة مستمرة

تجاعيدُ الابتسامةِ المزيّفة ما زالت تترك أثراً محفوراً على ملامحها، وهي تتحدث عن ابنها الأول، أسعد، الذي وُلِد مشلولًا، والثاني الذي توفّي بحادث سير، والأخير الذي ارتقى في أحد التفجيرات التي استهدفت العاصمةَ دمشق عام 2018.

رَحَلَ الجميع، وبقي أسعد الذي لا يستطيع الكلام، ولا الحركة، ولا حتى شُربَ كوبٍ من الماء وحدههو فقط يجلس على كرسيّه المتحرّك، ويضع أمامه بعض عُلب السجائر في مكانٍ ليس قريباً من المنزل. هناك من يشتري منه، وهناك من يسرق نقوده، إلّا أنّ الثِّقل الأكبر، كعادته، على والدته التي تجرّ عربته ذهابًا وإيابًا، وهي تقول بأسى: “كان ظهري يوجعني من شغل الأرض، وهلا أسعد كفى عليي.”

لا تفكر خلصت قصتي خليني كفيلك…

لم تنتهِ رحلة المعاناة بعد، وليس بفقدان أولادها تُكتب آخر سطور رحلة الوجع في حياة أمينة، بل إنها اضطرت لإخلاء منزلها، الشيء الوحيد الذي تركه زوجها قبل موته، ولا تريد أن تتحدث عن السبب، لتقول: “حاجة مصايب، يا ريت ضليت بشغل الأرض وما وصلت لهون“.

دمشق- محمد حمودة

Amal, Berlin!
Privacy Overview

This website uses cookies so that we can provide you with the best user experience possible. Cookie information is stored in your browser and performs functions such as recognising you when you return to our website and helping our team to understand which sections of the website you find most interesting and useful.