ظهر يوم الأربعاء من عام 2015 بينما كانت عائشة تدرس، سمعت دويًا قريبًا. وتحول القلق العام إلى فاجعة شخصية مدوية، فشظايا القصف الممنهج لصواريخ نظام الأسد البائد، اخترقت المكان، خطفت سندها الأول. استُشهد شقيقها، الذي كان يمثل لها الأب البديل وتناديه بابا، بشظية أثناء خروجه لشراء طعام للبيت.
صدمة الفقد كانت عنيفة لدرجة أنها لم تستطع البكاء لشهور، وبدأت تعاني من نوبات هلع متكررة ترتبط بذكرى استشهاده. هذا الحدث المفصلي دفع ابنة إدلب المدينة لاحقاً لتتخذ مسار الوجه الأخر للحياة.
قصف البكالوريا وزواج الموت
تزامن وجع الفقد مع تحدٍ قاسٍ: امتحانات البكالوريا. وتحت تشجيع والدتها القوي التي قالت لها: “ما بصير تتراجعي هلق”، درست عائشة على ضوء البطارية بسبب انقطاع الكهرباء واستمرار القصف. تعرضت قاعة امتحانها للقصف، ما أجبرها على الخروج منها هاربة، تاركة خلفها ورقة الأسئلة فارغة.
لاحقًا، قررت الزواج في سن السابعة عشرة (17 عامًا). وعن تصورها قالت: “كنت مفكرة الزواج رومانسية وورود ورفاهية”. لكن رحلة وصولها إلى العريس في تركيا كانت “رحلة موت” على حد تعبيرها. “خرجت تهريبًا لحالي الطريق كان جحيم ورصاص الشرطة التركية بكل مكان”. الزواج نفسه لم يستمر سوى شهر واحد، تحول فيه حلمها إلى كابوس من “الضرب والذل والإهانة”. لم يكتفِ زوجها بالاعتداء الجسدي لدرجة فقدانها الوعي، بل عايرها بعيب خلقي (خلع الولادة).
عادت عائشة إلى إدلب بعد شهر واحد فقط، لتواجه نوعًا جديدًا من العنف: التنمر الاجتماعي الذي لامها على فشل زواجها الأول ثم الثاني الذي انتهى بخيانة زوجها لها.
ماجستير الإرشاد والسلاح هو العلم
رفضت عائشة أن تستسلم للعزلة أو نظرات المجتمع القاسية، واتخذت قرارًا حاسمًا بالعودة إلى الجامعة، وتخصصت في الإرشاد النفسي. قالت: “هدفي مساندة نفسي أولاً”.
البيئة الأسرية الداعمة كانت سبباً في عودتها إلى مقاعد الدراسة، وتحديداً دعم أمها وأخيها الثاني، اللذين شددا على أهمية العلم، بالرغم من هذا الدعم المعنوي القوي من أهلها، إلا أن رسوم الدراسة في إدلب لم تكن سهلة، فاعتمدت عائشة على العمل لتغطية نفقاتها، متنقلة بين الجامعة والعمل، والدراسة ليلاً. هذا المسار الشاق خلق منها شخصية قوية تعتمد على ذاتها.
من الضحية إلى المنقذة مع “الخوذ البيضاء”
توجت عائشة مسيرتها بالحصول على الماجستير في الصحة النفسية. ثم حققت حلمها بالعمل مع فرق “الخوذ البيضاء” (الدفاع المدني السوري) ضمن خدمات الدعم النفسي والتوعية، بالإضافة لعملها مع منظمات إنسانية في الشمال السوري.
ساهمت في إنقاذ حالات وصلت إلى محاولات انتحار، وكانت لها مشاركة فاعلة في أنشطة الدعم النفسي للأطفال في مواقع القصف. أكدت عائشة أن النساء خلال 14 عاماً من الصراع كنّ يعملن في صفوف “الخوذ البيضاء” ويقمن بمهام مماثلة لمهام الرجال. مشيرة إلى أنها تعلمت في هذا الميدان أن: “المرأة بضعفها فيها تكون أكبر داعم”.
أرقام تؤكد صمود “جيل النهوض”
قصة عائشة تتقاطع مع واقع آلاف النساء في سوريا. القوة بالنسبة لنساء إدلب خصوصاً ولنساء سوريا عموماً لم تكن خياراً بل ضرورة يجب اعتناقها.
أشارت دراسة لـ (EFI-RCSO) المبادرة النسوية الأورومتوسطية، أن 89% من النساء في شمال غرب سوريا أبلغن عن زيادة في حالات الاعتداء الجسدي، و77% عن زيادة في العنف النفسي. هذه الأرقام تضع عائشة كنموذج لـ “جيل النهوض” الذي يرفض أن يكون مجرد إحصائية. رسالتها قاطعة ومباشرة: “ما في وجع دائم، وما في ظلام ما بيولد منه ضو”.
دمشق: هبة الشلاح

