في زمن تحكمه الصورة النمطية وتتحكّم به الأحكام المسبقة ، أصبحت النظرة إلى المرأة المنقبة في الآونة الأخيرة محملة بأحكام مقولبة، فكثيرون يربطون النقاب مباشرة بالتشدد أو الانتماء لجماعات متطرفة مثل“داعش”، وكأن قطعة قماش كفيلة بتحديد عقيدة الإنسان، هذه الصورة لم تأتِ من فراغ فالإعلام والصراعات السياسية والأحداث الإرهابية لعبت دوراً مركزياً في تشكيلها. فهل هي حقيقة عادلة لكل النساء المنقبات؟ من هنا يبدأ التعميم.
المرأة المنقبة ودورها في المجتمع السوري
كانت ربى طالبة في المدرسة الثانوية عندما ارتدت الحجاب. فلاحقتها نظرات زملائها ومعلميها المليئة بالشكّ والاستغراب، وسمعت أحياناً كلمات رفض وانتقاد. ومع ذلك، لم تسمح لهذه المضايقات أن توقفها.
في بداية المرحلة الجامعية ارتدت ربى النقاب، ووسط أحداث الثورة السورية، التي اندلعت ازدادت صعوبات الحياة: التنقل أصبح تحدياً، والتحرش النفسي كان جزءاً من يومها.
تقول ربى: “تعرضنا لكثير من المضايقات في عهد النظام البائد، وتعاملوا معنا كمتطرفين أو أناس غريبين ، عندما درست في السويداء كنت المرأة الوحيدة التي يجبرها جنود النظام على النزول من الباص. وتعرضت لبعض المضايقات التي كانت تتطور إلى الشتائم بسبب نقابي في بعض الأحيان” لكن ربى رفضت الاستسلام، وتمسكت بحقها في ارتداء النقاب وممارسة حياتها الطبيعية.
دخول داعش إلى دير الزور
بين عامي (2014 _ 2017) دخلت داعش مدينة دير الزور وفرضت النقاب على جميع نساء المنطقة واضطر أغلب النساء لوضعه خوفا منهم.
“أذكر في البداية كم كان الأمر شاقًا عليّ؛ ففي إحدى المرات، وبينما كنت في السوق أشتري بعض الأغراض، رفعت النقاب عن وجهي، ولسوء حظي رآني أحد عناصر ما يُعرف بالحسبة، فلاحقوني وأجبروا أسرتي على دفع غرامة بدعوى أنني خرجت دون مَحرَم”
لاحقاً خرجت داعش من المدينة وبقيت النساء منقبات بعضهنّ لتعودهنّ عليه والبعض الآخر لقناعتهنّ الدينية به.
أنهت ربى المرحلة الجامعية وبقيت تنتظر فرصة عمل تقبلها كما هي، لكن قبولها في وظائف الدولة كان صعباً، بسبب نقابها.
أضافت ربى “بعد سقوط النظام البائد، أصبحت معلمة للصف الثالث الابتدائي وواصلت حياتي العملية دون أن أتخلى عن نقابي. والتزامي بقيمي وقناعتي بحريتي الشخصية، استطعت تجاوز الأحكام الاستباقية والحصول على وظيفة كنت أحلم بها”.
النقاب يضع حدود
ربى لم تكن المرأة المنقبة الوحيدة بل هي نموذج لفتيات ونساء عدة. فاطمة واحدة منهنّ، فهي طالبة جامعية منقبة تدرس في كلية الآداب: “أشعر أن المرأة المنقبة قادرة على تحقيق طموحاتها مثل أي امرأة أخرى، فالنقاب يضع حدوداً بيني وبين الطرف الآخر وهذا ما يسهل احترام الآخرين لي”.
“ولم ينظر المجتمع المحيط بي إلي نظرة التشدد عندما دخلت الجامعة. رغم خوفي المسبق، لكن حدث العكس. الجميع كانوا متعاونين وداعمين سواء كانوا دكاترتي في الجامعة أو زملائي”.
اللباس حرية شخصية
بينما تقول نايا طالبة جامعية في السنة الثانية: “كل شخص حر في ملبسه، ففي النهاية هذه حياتها، وهي حرة من وجهة نظري سواء أرادت أن تخلع النقاب أو تلبسه، مثل أي شخص عادي. صديقتي منقّبة، لكنها ليست متشددة، وليس لدي أي مشكلة في التعامل مع المرأة المتنقبة؛ فكلنا بشر، والتعامل يجب أن يكون قائما على الإنسانية أولاً، أكثر من أن ينظر إليك نظرة دينية. لا يهمني ما هو مذهبك، كن إنسانا معي وهذا يكفي”.
الاستطلاعات التي أجريت مؤخراً عبر وسائل التواصل الاجتماعي أظهرت تبايناً في المواقف: فبينما يتقبّل حوالي 60% من المجتمع السوري المرأة المنقبة في الوظائف والمدارس، يشعر 30% منهم ببعض التحفظات، ويرى 10% أنها غير مناسبة للحياة العامة. تعكس هذه النتائج حقيقة أن النقاب ما زال موضوع نقاش، لكنه لم يمنع المرأة من فرض احترامها وتحقيق نجاحها.
واختتمت ربى حديثها بأن احترام المرأة واختياراتها يجب أن يكون قاعدة ثابتة، بغض النظر عن مظهرها الخارجي أو لباسها. فوفقاً لها المرأة المنقبة قادرة على النجاح، على العطاء، وعلى كسب احترام الآخرين دون التخلي عن هويتها. النقاب بالنسبة لها ليس عائقاً، بل وسيلة للتعبير عن ذاتها وقيميها، والاحترام والتقدير حق لكل امرأة مهما كان انتمائها أو دينها.
دمشق- محمد الموسى

