في مجتمعٍ لم يعتد أن يرى امرأة على المنبر، اختارت ماتيلد أن تتحدى المألوف، وتعيد تعريف معنى الدعوة والخدمة الروحية في سوريا بإيمانٍ راسخ وعزيمةٍ لا تلين. تُعدّ القسيسة ماتيلد ميخائيل صبّاغ من أبرز الشخصيات الدينية في محافظة الحسكة وفي سوريا عموماً، إذ أصبحت أول امرأة سورية تُرسم بمنصب “قسيسة” في الكنيسة الإنجيلية المشيخية الوطنية.
تلقت الدعوة الإلهية وهي في عمر 13 سنة عام 2002، وواجهت منذ ذلك الحين تحديات كبيرة في إقناع أهلها ودعمهم لمسارها الروحي حتى عام 2013 بعد ذلك واصلت دراستها في اللاهوت، وحصلت على درجة الماجستير في اللاهوت، ما منحها قاعدة علمية وروحية قوية لخدمتها، شكّلت رسامتها حدثاً فريداً بتاريخ الكنيسة الإنجيلية في سوريا، ورسالة رمزية عن تطور دور المرأة المسيحية في الحياة الدينية والاجتماعية.
التحديات الدينية والكنسية
من الصعوبات التي واجهتها كانت داخل الإطار الكنسي نفسه، إذ إن فكرة رسامة امرأة كقسيسة لم تكن مألوفة في البيئة الدينية المسيحية السورية بعض رجال الدين والمحافظين داخل الكنيسة كانوا مترددين في تقبّل فكرة أن تؤدي امرأة دوراً كهنوتياً متقدماً، فاحتاج الأمر إلى سنوات من النقاشات اللاهوتية داخل السينودس (الهيئة الكنسية العليا) لإقناع الجميع بأن الخدمة الروحية لا تقتصر على الرجال فقط، كما واجهت تساؤلات حول مدى انسجام هذا القرار مع النصوص الدينية والتقاليد الكنسية القديمة، مما تطلّب منها جهداً فكرياً وروحياً كبيراً لتوضيح رؤيتها اللاهوتية.
الجدير بالذكر أنّ الكنائس الأرثوذكسية والكاثوليكية لا تمنح المرأة خدمة كهنوتية، إذ يقتصر دور الكهنوت في هاتين الكنيستين على الرجال فقط، وذلك استناداً إلى التقاليد الرسولية والتفسيرات اللاهوتية التي ترى أن المسيح اختار تلاميذه من الرجال، وأن الكهنوت امتداد لهذا الاختيار، بينما تختلف الكنائس البروتستانتية والإنجيلية في هذا الشأن، إذ تفسح المجال أمام المرأة لتولي أدوار قيادية وكهنوتية في الخدمة.
التحديات الاجتماعية
كونها من مدينة الحسكة، وهي منطقة متعددة الديانات والقوميات، كان عليها التعامل مع نظرات المجتمع المحلي ومواقفه من تولّي امرأة منصباً دينياً، حيثُ واجهت في البداية حذراً اجتماعياً من بعض الفئات التي رأت أن القيادة الروحية “ليست للنساء” غير أنّها استطاعت أن تكسب احترام المجتمع بفضل تواضعها وخدمتها الفعلية لجميع المكونات دون تمييز، كما أكدت في أكثر من تصريح إعلامي، أنّ المجتمع في الجزيرة السورية أظهر تفهماً وانفتاحاً أكبر مما توقعت، وأن الحسكة مدينة تحتضن الجميع .
رأي المجتمع فيها
يرى القس إلياس حنّا أحد خدام الكنيسة الإنجيلية في القامشلي، أن حضور القسيسة ماتيلد غيّر نظرة كثيرين إلى مفهوم القيادة الروحية: “إنها ليست فقط أول امرأة تُرسم في منصب كهنوتي، بل هي أول من جعلنا نرى الخدمة بمعناها الحقيقي، هي قريبة من الناس، ترافقهم في أفراحهم وأحزانهم”.
ويضيف القس حنّا: “ما يميزها هو التوازن بين الفكر العميق والتواضع الإنساني، أثبتت أن الدعوة تُقاس بالالتزام لا بالجنس، وأن المرأة قادرة على أن تكون صوتاً إيمانياً مؤثراً وملهماً”.
كما تقول رنا عبد الأحد، وهي معلمة من مدينة الحسكة: “وجود القسيسة ماتيلد على المنبر منحنا نحن النساء شعوراً بالفخر، أثبتت أن المرأة تستطيع أن تخدم مجتمعها وروحها في آنٍ واحد”.
التحديات الشخصية والعائلية
لم يكن التحدي مقتصراً على المجتمع أو الكنيسة، بل شمل حياتها الشخصية أيضاً، باعتبارها زوجةً وأماً، واجهت صعوبة في الموازنة بين خدمتها في الكنيسة ومسؤولياتها العائلية، معتبرةً أن النجاح في ذلك لا يتحقق إلاّ بدعم العائلة والإيمان العميق بالرسالة، كما تطلّب منها الأمر قوة نفسية وصبراً كبيراً لتتحمل الضغط والانتقادات، خصوصاً في بداية مشوارها.
التحديات الفكرية والإنسانية
كان عليها أن تثبت كفاءتها العلمية والروحية أمام مجتمع يشكك في قدرة المرأة على الوعظ أو التعليم الكنسي، حيثُ حرصت على تطوير معرفتها اللاهوتية باستمرار من خلال الدراسة والمطالعة والمشاركة في مؤتمرات دينية، كما سعت إلى نشر ثقافة المساواة الروحية بين الجنسين داخل الكنيسة وخارجها، مؤكدةً أن الخدمة لا تُقاس بالجنس بل بالإيمان والعمل الصادق.
واجهت القسيسة ماتيلد صبّاغ مجموعة من التحديات المعقّدة بين الدينية والاجتماعية والشخصية، لكنها استطاعت بفضل إصرارها وإيمانها العميق أن تتجاوزها وتفتح باباً جديداً أمام النساء السوريات في المجال الديني.
قصتها ليست فقط نجاحاً شخصياً، بل رمزاً لتقدّم المجتمع السوري نحو قبول دور المرأة القيادي في كل المجالات، بما فيها الحقل الروحي..
دمشق- مايا لحدو

