بعد ثلاثة أشهر فقط من زواجها عن طريق الخطابة، وجدت حليمة عرفة، الشابة السورية من محافظة حماة، نفسها أسيرة كابوس لم تتخيله. ما بدأ كحلم زواج تقليدي تحول سريعًا إلى سلسلة من العنف والإذلال، لتصبح حياتها في خطر مستمر.
في البداية، منعها زوجها اللبناني علي المولى من استخدام الهاتف، وحرمها من التواصل مع عائلتها، تاركًا إياها في عزلة مرعبة. العزلة النفسية كانت خطوة أولى في سلسلة جرائم أكبر، ظهرت بعد فترة مبكرة من الزواج، حين بدأ الزوج بالسيطرة الكاملة على حياتها.
من شاليه الموت صرخة امرأة تُحرق في صمت العالم
ثم جاء اليوم الذي اقتادها فيه إلى شاليه بعيد عن العيون، وهناك بدأت الجرائم تتكشف. تعرضت حليمة لتعذيب جسدي ونفسي وحشي، قبل أن يسكب الزوج الزيت المغلي عليها، ما أدى إلى إصابتها بحروق بالغة ونقلها إلى مستشفى لبنانية في حالة حرجة، مما أدى إلى وفاتها.
الابتزاز بعد الموت
وخلال فترة معاناتها، لم يكتفِ الزوج بالعنف الجسدي، بل بدأ بابتزاز عائلتها ماليًا، مطالبًا بمبلغ 9 آلاف دولار مقابل إرسال جثتها إلى سوريا. “رفضنا أن ندفع المبلغ في البداية لأنه ابتزاز، لكننا اضطررنا في النهاية لدفع ٩٠٠٠ دولار لضمان عودة جثمانها إلينا فقط بعد أن أصبحت جثة هامدة”- كما يقول والد الضحية. العائلة رفضت الابتزاز في البداية، لكنهم دفعوا المبلغ فقط لضمان نقل الجثة، في حين ما يزال الزوج هاربًا، تاركًا خلفه مأساة وصدى صرخات الضحية التي لم يسمعها العالم إلا بعد فوات الأوان.
غياب القانون شريكًا في الجريمة الجندرية
على الجانب السوري، تفتقر التشريعات إلى وجود قانون خاص يحمي النساء من العنف الأسري بشكل واضح وشامل. وتظل جرائم العنف ضد المرأة تُعالج في إطار قانون العقوبات العام، الذي غالباً ما يتعامل معها كـ “جنح” بدلاً من “جرائم”، مما يؤدي إلى عقوبات مخففة لا تتناسب مع فداحة الأذى.
وتكمن إحدى أهم الثغرات في المادة 548 من قانون العقوبات السوري، التي تمنح العذر المحل للرجل في حالات ما يسمى “جريمة الشرف”، مما يشكل بيئة تشريعية تتسامح مع العنف القائم على النوع الاجتماعي. بالإضافة إلى ذلك، توجد مواد أخرى تسمح بتخفيف العقوبة بحجة ما يسمى “الدفاع عن الشرف”، مما يضعف موقف الضحايا ويشجع على الإفلات من العقاب.
تقارير عالمية
هذه الواقعة تأتي في وقت تؤكد فيه تقارير عالمية أن العنف ضد النساء ليس حادثًا فرديًا بل ظاهرة واسعة. بحسب تقرير الأمم المتحدة، حوالي 60٪ من جميع جرائم قتل النساء في العالم يرتكبها شركاء حميمون أو أحد الأقارب، وهي ظاهرة تتجاوز الحدود والاختلافات الاجتماعية والاقتصادية والفئات العمرية. كما يشير التقرير إلى أن ما يقارب من 140 امرأة وفتاة يمُتن كل يوم نتيجة العنف، أي بمعدل امرأة واحدة كل عشر دقائق.
تُظهر قضية حليمة عرفة مدى ضعف حماية النساء في ظروف النزاع وفي حالات العنف العابرة للحدود، حيث يتداخل العنف الأسري مع الابتزاز والجرائم الدولية، مما يزيد من تعقيد الوصول إلى العدالة. حليمة كانت ضحية هذه التداخلات، ولم يكن العنف الجسدي فقط ما يهدد حياتها، بل أيضًا الابتزاز المالي والتلاعب القانوني الذي مهد الطريق لهروب الجاني.
ومع استمرار هروب المتهم، يبقى السؤال مطروحًا: هل ستصل العدالة إلى نهايتها، أو ستظل هذه القصة واحدة من كثير من المآسي التي تُدفن في سجلات الألم؟ القصة تسلط الضوء على هشاشة أنظمة الحماية القانونية للنساء في المنطقة، والحاجة الملحة لتشديد العقوبات، وتفعيل القوانين لحماية النساء من العنف الأسري والجرائم العابرة للحدود.
قضية حليمة عرفة ليست مجرد مأساة فردية، بل صرخة مدوية ضد العنف الممنهج ضد المرأة . في ظل صمت الحكومات وتقاعس القوانين.
دمشق- ريم فرج

