“رفضُ اللجوء لم يكن يوماً نهاية الطريق. فقد مررتُ شخصياً بالرفض والترحيل وفقدان الأمان، وهي تجارب قاسية منحتني فهماً عميقاً لما يعيشه اللاجئون اليوم في ألمانيا من ضغوط نفسية وقانونية. وعلى الرغم من كل ما واجهته، تعلّمت أن أقرأ مخاوفهم بصدق، وأن أتعامل مع كل حالة بإنسانية تسبق القانون، حتى أصبحت اليوم مستشاراً متخصصاً في قضايا اللجوء والهجرة.”
تجربة أحمد الأقرع ليست مجرد سيرة شخصية، بل انعكاس حيّ للأزمة التي يعيشها آلاف اللاجئين اليوم في ألمانيا. فقد تحوّلت محطاته الصعبة إلى منهج مهني يقوم على إدراك الواقع من الداخل، لا من خلف المكاتب أو القوانين. تحول صوت ابن الرقة إلى صوت بارز يدافع عن حقوق اللاجئين في ألمانيا، تشكّلت رحلته كمسار استثنائي يجمع بين الصمود والاندماج والإصرار على تجاوز الحدود المفروضة.
رحلة اللجوء: من الرقة إلى ألمانيا
غادر أحمد الأقرع سوريا بعدما شهد الانهيار الكامل لمؤسسات الدولة وسيطرة تنظيم داعش على الرقة، المدينة التي تحوّلت خلال أشهر إلى إحدى أكثر المناطق دماراً وفوضى. كان يعمل مرشداً اجتماعياً في سجن الأحداث في الرقة، وشاهداً على العنف اليومي وغياب أي حماية حقيقية. ومع اتساع دائرة الخطر، لم يعد البقاء ممكناً، فغادر مضطراً بحثاً عن الأمان.
“لم يكن أمامي سوى خيارين: النجاح أو النجاح”

اول يوم دوام بكورس اللغة
عند وصوله إلى ألمانيا، اصطدم مباشرة بحقيقة أن اللغة هي المفتاح الأول لكل خطوة. لم يكن يملك حق الالتحاق بالدورات الرسمية لعدم حصوله على الإقامة بعد، فبدأ دراسة اللغة على نفقته الخاصة بعد أسبوعين فقط من وصوله. عاش الخوف من الترحيل والانتظار الطويل وغياب اليقين، فقد كان يحمل قرار رفض وترحيل إلى بلغاريا. لكنه كان يرى أن أمامه خيارين فقط: النجاح أو النجاح. بهذه القناعة واصل طريقه رغم كل العثرات.
تحديات كبيرة: الدراسة والعمل
وبعد وصوله إلى مستوى C1 عام 2016، حصل على قبول جامعي في الجامعة الكاثوليكية لدراسة العمل الاجتماعي، لتبدأ مرحلة جديدة من التحديات. فبمجرد تسجيله في الجامعة قُطعت عنه المساعدة الاجتماعية، لأن الطالب الجامعي لا يحق له الحصول عليها. لم يتردد في اتخاذ القرار الأصعب، هو العمل لتمويل دراسته بالكامل، لأن الـBafög رفض تمويله. عمل لفترة في مكتب شؤون الشباب (Jugendhaus) وفترة أخرى لدى دائرة رعاية الأطفال والقاصرين (Jugendamt). ليعمل لاحقاً بمكتب تنسيق شؤون اللاجئين في مدينة Paderborn، ثم انتقل إلى مدينة Soest ليعمل كمدير ومستشار لبرامج اللجوء.
الوقوف بجانب اللاجئين واجب إنساني!
اختياره لدراسة العمل الاجتماعي لم يكن قراراً مهنياً فقط، بل امتداداً لمهنته في الرقة، وإيماناً بواجبه الأخلاقي تجاه اللاجئين وأبناء بلده وغيرهم. قال الأقرع: “كان بإمكاني اختيار مجالات تحقق دخلاً أعلى، لكن العمل مع اللاجئين بالنسبة لي ليس وظيفة بل واجب أخلاقي. لا أنسى أنني كنت يوماً لاجئاً أبحث عن من يفهم معاناتي، ولذلك اخترت أن أكون هذا الشخص للآخرين”.
صانع قرار وليس مشارك
يقول الأقرع إن الصورة النمطية عن اللاجئين دفعته للانخراط في العمل السياسي. حاول

المشاركة في عمل تطوعي عام ٢٠١٥ بالتعاون مع حزب الخضر
المشاركة في أحزاب تُعرف بدعمها للاجئين، لكنه كان يُقدَّم كل مرة إعلامياً كـ”لاجئ” يتلقى المساعدة منهم وليس “كفرد فاعل” في المجتمع. وفي عام 2022 ترشّح لعضوية مجلس الحزب في منطقة Soest، واكتسب علاقات واسعة مع برلمانيين على المستويين الألماني والأوروبي، مستنداً إلى خبرة عملية وإنسانية جعلت صوته مسموعاً في ملفات الاندماج واللجوء. مؤكداً انه يريد أن يكون مشارك في صنع القرار وليس كمتلقي.
تحديات قانونية معقّدة تواجه اللاجئين: تيك توك منصة للجميع
كثيرون يجهلون حقوقهم والطرق القانونية المتاحة لهم، ولذلك اختار الأقرع أن يقدّم محتوى مبسّطاً ومباشراً على منصة يسهل وصول الجميع إليها مثل منصة التيك توك، ليشارك خبرته القانونية بالطريقة التي كان يتمنى لو وجدها عندما كان مهدَّداً بالترحيل.
نصائح عديدة عند تلقي قرار رفض اللجوء
يوجّه الأقرع رسالة واضحة للاجئين الجدد الذين تلقّوا قرارات رفض: “الرفض ليس نهاية الطريق. هناك دائماً خيارات قانونية، من الطعن إلى طلبات الإقامة المرتبطة بالاندماج أو الحالات الإنسانية”. كما يؤكد أن الطريق صعب، لكن الخيارات القانونية موجودة عبر الطعن، أو الإقامة بعد الاندماج وفق §25a و§25b، أو الحالات الإنسانية. ويصرّ على أن المعرفة القانونية، والتمسّك بالحقوق، والاستمرار في العمل، هي الأدوات التي تصنع الفارق.
ما بين الوطنين

تكريم كافضل مندمج في مدينة بادربورن
أما عن مفهومه للوطن بعد سنوات في ألمانيا، فيراه مزيجاً بين الجذور والحقوق. فالرقة ستظل موطنه الأول وذاكرة طفولته، بينما تمثل ألمانيا وطن القانون والكرامة والفرص، المكان الذي سمح له أن يكون إنساناً كاملاً لا مجرد نازح يبحث عن أمان.
الخطط المقبلة على المستوى المهني والاجتماعي
وعن خططه المستقبلية قال الأقرع: “أطمح لتوسيع نطاق عملي كمستشار، وتطوير مشاريع دعم للاجئين، والاستمرار في تقديم محتوى توعوي احترافي عبر السوشل ميديا وورشات العمل حول الحقوق والواجبات. أرى دوري في السنوات القادمة يتوسع نحو العمل العام، والمساهمة في تحسين سياسات الاندماج واللجوء، مستفيداً من تجربتي الشخصية والعملية، ومن فهمي العميق لمعاناة اللاجئ واحتياجاته”.

ورشات عمل حول الحقوق والواجبات لطالبي اللجوء

تنظيم وقفة احتياجية ضد تعليق لم الشمل

من اجتماع تقييم الوضع في سوريا في البرلمان الأوروبي بستراسبورغ
Fotos: Ahmet Alakra

