منذ أن أعلنت دول كبرى مثل بريطانيا وكندا وأستراليا والبرتغال الاعتراف بفلسطين كدولة، تجدد الجدل داخل ألمانيا حول موقعها في هذا المسار الدولي. وفي الوقت الذي تتحضر فيه فرنسا للانضمام إلى هذه الخطوة، تتزايد الضغوط على الحكومة الألمانية التي ما تزال متمسكة بموقفها التقليدي. “الاعتراف لا يمكن أن يكون سوى الخطوة الأخيرة في طريق طويل نحو حل الدولتين”.
هذا الموقف، الذي يعكس رؤية سياسية حذرة ومرتبطة تاريخياً بالتزام أمن إسرائيل، يواجه انتقادات متصاعدة من داخل الأوساط الإعلامية والسياسية. فضلاً عن الشارع الألماني الذي يعبّر بقوة عن رفضه للحرب في غزة.
السياسة الحكومية بين الثبات والجمود
تصر الحكومة الألمانية على أن الاعتراف بفلسطين قبل التوصل إلى اتفاق سياسي شامل قد يقوّض فرص التفاوض ويضعف أمن إسرائيل. وزير الخارجية يوهان فادفول شدد على أن مثل هذه الخطوة لا يمكن أن تكون بداية الحل، بل نهايته. الموقف ذاته عبّر عنه سياسيون من الحزب المسيحي الديمقراطي الذين يرون أن الاعتراف في هذه المرحلة يمنح شرعية لقوى مثل حركة حماس. هذا التوجه ليس جديداً، بل يعكس تقليداً راسخاً في السياسة الخارجية الألمانية منذ عقود، يقوم على حماية أمن إسرائيل كأولوية استراتيجية لا تقبل المساومة.
الإعلام والنخب الفكرية: دعوات لإعادة التفكير
في مقابل هذا الموقف الرسمي، يزداد حضور أصوات إعلامية وفكرية تنتقد جمود السياسة الألمانية. ففي مقابلة مع القناة الأولى الألمانية، دعا كريستوف هوسغن، السفير السابق لدى الأمم المتحدة والمستشار السابق لأنجيلا ميركل، إلى خطوات غير مألوفة. واعتبر أن الوضع الكارثي في غزة وانعدام رغبة الحكومة الإسرائيلية في التفاوض يستدعيان إعادة تقييم السياسة القائمة. وسائل الإعلام مثل Deutschlandfunk ،ZDF وTagesschau تطرح بدورها تساؤلات حول مبررات التمسك بهذا الجمود. في وقت تتبنى فيه دول غربية قريبة من برلين مواقف أكثر جرأة.
الانقسام داخل الأحزاب السياسية
حتى داخل البوندستاغ، لا يبدو الموقف موحداً. في الحزب الاشتراكي الديمقراطي، الذي يقود الائتلاف الحكومي، تظهر أصوات متفهمة للمبادرة البريطانية، مثل النائب رالف شتيغنر الذي تساءل عما إذا كان من الممكن لألمانيا أن تخطو خطوة مماثلة، وإن كان قد خلص في النهاية إلى أن الاعتراف يجب ألا يكون البداية. أما اليسار الألماني فيذهب أبعد من ذلك، إذ تتهم زعيمته إينيس شفيردتنر الحكومة بالتقاعس، مؤكدة أن الاعتراف لا يجب أن يُختزل في كونه رمزاً بل يمثل إشارة واضحة إلى أن مستقبل السلام يمر عبر حل الدولتين.
الشارع الألماني: غزة في صدارة المشهد
في شوارع المدن الألمانية، يتجسد التناقض بصورة أوضح. فآلاف المتظاهرين خرجوا يرفعون شعارات تدين الإبادة الجماعية في غزة وتدعو إلى وقف المجازر وإنقاذ المدنيين. كما طالبوا بوقف التعاون العسكري مع إسرائيل وضمان وصول المساعدات الإنسانية إلى القطاع. هذه الاحتجاجات، تعكس وعياً شعبياً متزايداً يتهم الموقف الرسمي بنوع من التواطؤ مع حرب توصف من قبل خبراء ومنظمات دولية بأنها تحمل سمات الإبادة الجماعية.
“كل العيون على غزّة”
كما تنظم الجالية الفلسطينية ومنظمات حقوقية بارزة مثل العفو الدولية وmedico international تظاهرة في برلين بعنوان “كل العيون على غزة، أوقفوا الإبادة الجماعية” يوم السبت 27 سبتمبر 2025. الساعة 5-9 مساءً. على العنوان Großer Stern, Straße des 17. Juni, Berlin.
بين الرمز والسياسة
الاعتراف بفلسطين بالنسبة للصحافة والشارع ليس مجرد إجراء بروتوكولي، بل خطوة تحمل رسالة سياسية وأخلاقية في ظل استمرار المأساة الإنسانية في غزة. أما بالنسبة للحكومة الألمانية، فهو ملف شديد الحساسية يرتبط بتاريخها ومسؤوليتها الخاصة تجاه إسرائيل. هذا التباين في الرؤية يخلق فجوة متنامية بين الحكومة من جهة والرأي العام والنخب الإعلامية والفكرية من جهة أخرى.

