انتشر خبر اختفاء سيدة مصرية تدعى إيمان محمد تبلغ من العمر 34 عاماً من منزلها في قرية Bad Aibling التابعة لولاية بافاريا العليا في نوفمبر من العام الماضي. انقطع الاتصال بعائلتها في مصر والتي تواصلت مع زوجها ليخبرهم أنها خرجت وتركت أبناءها الثلاثة في المنزل ولا يعرف عنها شيء. بدأت شقيقة الضحية في البحث عن صديقاتها في ألمانيا للبحث عنها وأبلغت إحداهن الشرطة عن اختفائها. شهور عديدة مرت ولم تعثر شرطة Rosenheim عليها. في نهاية شهر مايو نشرت الشرطة إعلاناً تناشد الحصول على معلومات عن الشابة المفقودة وصورة لها. باءت جميع المحاولات بالفشل ، لتكون الصدفة وحدها سبباً في العثور على رفاتها داخل إحدى الغابات خلال عملية بحث عن طفل كان يُحتمل اختفاؤه.
دراجة طفل وخوذة كانت سبباً في إيجاد الجثة
تلقى مركز شرطة Bad Aibling في منتصف يونيو الماضي بلاغاً من أحد المواطنين عن عثوره على درجة طفل وخوذة ملقاه على الطريق في غابة بالقرب من القرية. فتشت الشرطة المنطقة لاحتمال تعرض طفل لحادث وخلال عملية البحث عثر كلب بوليسي على جثة في الغابة. طوقت الشرطة المنطقة وتولت إدارة التحقيقات الجنائية في Rosenheim التحقيق واستدعوا خبراء الطب الشرعي.
أكدت فحوصات معهد الطب الشرعي في ميونيخ أن الجثة هي إيمان محمد المفقودة منذ شهور وأن هناك دلائل على وجود عنف. وفقاً لشرطة جنوب بافاريا العليا فقد قبضت على الزوج – مصري الجنسية – البالغ من العمر 43 عاماً باعتباره المشتبه الرئيسي ووجهت له تهمة القتل غير العمد. الزوج الآن رهن الحبس الاحتياطي ويحقق مكتب المدعي العام وإدارة التحقيقات الجنائية الآن في خلفية الجريمة لإعادة بناء الأحداث بدقة. ووفقاً للسلطات فإن الزوجة كانت ضحية جريمة عنف.
العنف الأسري لسنوات عديدة
خلال عملية البحث التي استمرت لعدة أشهر، تواصلت الشرطة مع العديد من الأشخاص الذين كانوا على صلة بالضحية، من بينهم الشابة المصرية ريهام ح. والتي تعرفت على إيمان في عام 2019 عندما كانا يعيشان في نفس القرية Bad Aibling. استمرت علاقتهما حتى انتقلت ريهام لمكان أخر. في ذلك الوقت، كانت ريهام تعمل جليسة أطفال “Au-pair Mädchen” لدى أسرة ألمانية لديها خمسة أطفال.
ظلت إيمان تشتكي لصديقتها من رفض زوجها إعطاءها المال. فاقترحت ريهام على الأم المضيفة أن تطبخ إيمان للأطفال مرة واحدة في الأسبوع مقابل مبلغ رمزي 20 يورو. كانت إيمان تذهب لمنزل تلك العائلة سيراً من أجل توفر تكلفة المواصلات، لكن المسافة كانت بعيدة عن منزلها. فأعارتها الأم المضيفة دراجة تستخدمها وأخفتها عن زوجها. تقول ريهام “ تكررت شكوى إيمان من محاولات زوجها عزلها عن الناس ورفضه اختلاطها بأحد. حتى أنه تشاجر معها بسبب صداقتهما وأجبرها على البقاء في المنزل”.
وأضافت ريهام “طلبت إيمان من زوجها مراراً أن تلتحق بدورة تعلم اللغة الألمانية لكنه رفض، كذلك كانت ترغب في تعلم قيادة السيارة لكنه رفض ذلك أيضاً”. حاولت إيمان توفير المال بدون علم زوجها من خلال العمل كعاملة نظافة للحافلات ليلاً لكسب القليل من المال. تقول ريهام “مرات عديدة عندما كانت ألتقي بإيمان كانت تأتي ووجهها متورم بسبب اعتداء زوجها عليها بالضرب”.
وتؤكد أميرة محمد أخت الضحية أيضاً تعرض أختها لعنف أسري من قبل زوجها طوال ثمانية أعوام. سافرت إيمان مع زوجها مباشرة بعد الزواج إلى ألمانيا والذي كان يعيش في Bad Aibling ويحمل الجنسية الألمانية ويعمل طباخاً في إحدى المستشفيات.
حبيسة في بيت أهل زوجها في مصر
منذ عام 2022 بدأت الخلافات بين إيمان وزوجها تتزايد بعد أن أصبحت أماً لطفلين. وفقاً لأميرة – أخت الضحية – فقد كان زوج أختها يسيطر على الحساب البنكي المشترك بينهما والذي كانت تصله تحويلات مساعدات الدولة “Kindergeld” للطفلين عليه. في مارس2022 سافرت العائلة إلى مصر لحضور حفل زفاف أخ الزوج في صعيد مصر. وفي مطار القاهرة حضر إخوة إيمان لاصطحابها من أجل قضاء بعض الوقت مع أسرتها بمحافظة الشرقية.
وقبل أن تغادر أصر الزوج على الاحتفاظ بجواز السفر الخاص بها وبطفليه كذلك بطاقة الإقامة الخاصة بها في ألمانيا. سافرت الأم بطفليها لاحقاً لحضور حفل الزفاف في جنوب مصر. عاد الزوج إلى ألمانيا وترك إيمان وطفليها في منزل أهله. وفقاً لأميرة محمد تعرضت أختها للتهديد بالطلاق في حالة عودتها لبيت عائلتها. وفي تلك الأثناء كانت إيمان على تواصل مع صديقتها أمل محمود (اسم مستعار) المقيمة في مدينة صغيرة تبعد 150 كيلومتر عن فرانكفورت ، وكانتا قد تعرفتا على بعضهما من خلال إحدى مجموعات الفيسبوك الخاصة بالمصريين المقيمين في ألمانيا.
نزيلة في إحدى بيوت السيدات المعنفات
وفقاً لأميرة فقد أُجبرت أختها على البقاء في منزل عائلة زوجها لمدة ستة أشهر وكانت في حالة نفسية صعبة. لكن إيمان استطاعت التواصل مع عائلتها سراً فأتوا لاصطحابها مع الأطفال ثم بدأت التواصل مع السفارة الألمانية وأبلغتهم باستيلاء زوجها على الأوراق الرسمية الخاصة بها. تقول صديقتها أمل محمود “كانت إقامة إيمان قد أوشكت على الانتهاء وأخبرت السفارة الألمانية بما حدث فأصدروا لها فيزا –بعد أن استخرجت جواز سفر مصري جديد – حتى تتمكن من العودة لألمانيا لاستخراج أوراق رسمية لأطفالها ، ثم العودة لمصر حتى تتمكن من إعادتهم مرة أخرى إلى ألمانيا”.
وتُضيف أمل محمود أنها كانت تساعد صديقتها في الترجمة لعدم معرفتها باللغة الألمانية فساعدتها في الترجمة عند تواصلها مع بيت السيدات المعنفات. داخل بيت المعنفات وفّروا لها محامية من أجل رفع دعوى في محكمة Familiengericht Rosenheim وحصلت في عام 2023 على وصاية منفردة مؤقتة على الأطفال مكنتها من السفر إلى مصر والعودة بالأطفال مرة أخرى لألمانيا. عادت مباشرة إلى بيت المعنفات وبعد فترة قصيرة بدأ الزوج يعاود محاولات التواصل معها واقناعها بالعودة إلى المنزل لينشأ الأطفال بين الأبوين.
في النهاية نجح في إقناعها وعادت للمنزل. وفقاً لأميرة محمد “تبددت سريعاً وعود زوج أختها باحترامها وحسن المعاملة وعاود الضرب والإهانة، لكن أختها كانت قد حملت في طفلها الثالث”. وتضيف أميرة خلال تلك الفترة وحتى بعد الولادة أبلغ زوج أختها الشرطة عدة مرات باختفائها مع الأطفال عندما كانت تذهب لرؤية الطبيب. وفي إحدى المرات أثناء شجاره مع أختها أبلغت إحدى الجارات البوليس فهددها زوجها عندما وصلت الشرطة أنها إذا أخبرتهم أنه ضربها فسوف تُعرض الأطفال لخطر سحبهم من العائلة وإيداعهم لدى أسرة بديلة.
الخوف من فقدان الأطفال
وفقاً لأخت الضحية فإن خوفها من فقدان أولادها كان السبب الدائم لعدم إبلاغ الشرطة عن العنف الذي تتعرض له. وتؤكد أميرة أن أختها عاشت في حالة عزلة حيث حاول زوجها دائماً السيطرة عليها مستغلاً عدم معرفتها بالقانون الألماني وحقوقها مما جعلها ضحية لاستمرار هذا العنف. توفيت إيمان لتترك ثلاثة أولاد أكبرهم في الخامسة وأصغرهم كان يبلغ سبعة أشهر فقط وقت اختفائها. يعيش الأطفال حالياً في إحدى دور الرعاية لعدم وجود أقارب للأبوين في ألمانيا.
تفتح تلك الجريمة أسئلة عديدة حول هؤلاء الأطفال الثلاثة الذين يحملون الجنسية الألمانية ولا تستطيع عائلة الضحية في مصر ضمان حق الحضانة. هل سيعيش هؤلاء الأطفال معاً أو سيوزعونهم على عائلات بديلة ، ليفقدوا الصلة بأقاربهم في مصر.
يتزايد عدد حالات العنف ضد السيدات في ألمانيا. وفقاً لتحليل أجراه مكتب الشرطة الجنائية الاتحادية لعام 2023 فقد ارتفع عدد ضحايا العنف المنزلي من النساء بنسبة 5.6% ليصل إلى أكثر من 180 ألف حالة. وسجلت السلطات 360 جريمة قتل نساء. غالباً ما يكون الجناة أزواجاً أو شركاء حاليين أو سابقين.

