Foto: Heifaa Atfeh
3. سبتمبر 2022

لعنة العطلات!

من قال إن العطلة دائماً تكون سعيدة؟! كثيراً ما نمرّ بمواقف يرافقنا فيها سوء الحظ، ويمكن أن يتحوّل تكرار تلك المواقف إلى الشعور بأننا موسومون بلعنة ما.

هذا ما أشعر به تجاه العطلات؛ التي غالباً ما تحوّلت إلى تراجيديا. لكن، هذه المرّة! فاقت كلّ التوقعات. وهذا ما دفعني إلى الكتابة علّني أستطيع كسر حلقة اللعنة التي ترافق عطلاتي.

مقدّمة!

بدأت عطلة الصيف لدى ابنتي وبدأت معها التحضيرات لبعض النشاطات التي يمكن أن تبعدها عن الجوال وشاشة التلفاز. ولأني بدأت عملاً جديداً فهذا يعني أن عليّ أن أنظّم وقتي بين عملي وهذه النشاطات. تعود بي الذاكرة دوماً لأقارن ما عشته سابقاً كطفلة وبين ما يعيشه أطفالي الآن! فكثير من المفاهيم تبدو مختلفة وبشكل جذري، ومنها مفهوم العطلة مثلاً.

كنت أنتظر اليوم الأخير للامتحانات كلّ عام لأذهب مباشرة إلى المركز الثقافي والذي يعني المكتبة العامة لاستعارة الكتب. أعود بعدها إلى البيت لانتقاء كتاب أبدأ به عطلتي الصيفية. زيارة الأصدقاء والذهاب للسباحة ومشاوير المساء كانت جزءاً من مخطط العطلة. والأهم هو السفر إلى مسقط رأسنا “السلمية” لزيارة الأقارب. هناك يمكننا أن نقضي وقتاً ممتعاً ونخطط لرحلة إلى البحر مثلاً. لكنّها رحلة سريعة لا تخييم فيها ولا فنادق أو حجوزات.

الآن تعود ابنتي من مدرستها حزينة، وتتحدّث كيف أن كلّ أصدقائها سيسافرون إلى بلدهم الأم، بينما نحن لا نستطيع فقط لأننا لم نستطع التخلّص من التفاحة الفاسدة والتي تعني بها “بشار الأسد” طبعاً. وتبدأ التساؤلات التي تكبر لتصبح بحجم ذلك البلد وأكثر.

وعلينا أن نعدها أننا سنذهب حين يكون ذلك ممكناً. لكنّها الآن بدأت تبحث عن بدائل، كأن تطلب مثلاً حجز فندق في إسبانيا أو قضاء وقت في هاواي وهذا ما لا يمكننا فعله الآن. فنعدها أيضاً بإمكانية ذلك في المستقبل. ونحاول إقناعها أننا لم نتعرّف بعد على هامبورغ نفسها، وأنّ هناك مناطق جميلة في ألمانيا يمكننا زيارتها أولاً.

بداية العطلة

بدت بداية العطلة جميلة للغاية مع وصول أقاربنا إلى هامبورغ، حيث كنا وضعنا مسبقاً برنامجاً جميلاً للتعرّف على معالمها التي لم تسنح لنا الفرصة لزيارتها قبلاً. وكان علينا أن نغيّره بسبب تغيّر الجو تارة ومزاج بناتنا تارة أخرى.

ثمّ قررنا العودة معهم إلى مدينتهم لزيارة أقارب لنا هناك أيضاً، واخترنا أن نسافر بواسطة بطاقة الـ 9 يورو. كانت رحلة مريحة قياساً بما سمعناه عنها، لكنّ وبعد وصولنا عاودتني آلام كنت قد اخترت سابقاً تجاهلها، وقادني التجاهل إلى غرفة العمليات التي أجبرتني على نسف مخطّطات عطلتنا. تبعات العملية أدّت إلى تقييد حركتي، لكنني حاولت اختيار بدائل تفرح بناتي بمساعدة زوجي.

معاندة الحظ زادت الطين بِلّة

شعوري بالذنب ورغبتي الكبيرة بالانتصار على حظّي العاثر قادتنا إلى القيام برحلة غير محسوبة. فأثناء سهرة عائلية مع أصدقائنا اتفقنا على القيام برحلة إلى برلين. التي لم تسنح لنا الفرصة لزيارتها من قبل. حجزنا غرفاً في فندق “جعله الله فندقاً” وتسلحنا من جديد بتذكرة الـ 9 يورو وعقدنا العزم وسط سعادة غامرة.

رحلتنا تضمّنت تبديلاً واحداً استطعنا في الجزء الأوّل منها أن نختار أماكن جلوس مناسبة، لكنّنا اضطررنا بعد التبديل إلى الجلوس على أرضية القطار وتمكّن أطفالنا من مسح درجاته بملابسهم بنجاح. وصلنا بعدها إلى الفندق الذي لم يكن بعيداً عن المحطّة الرئيسية، والذي كانت خيبتنا به كبيرة أيضاً.

رحلة العودة الأسطورية!

زيارتنا القصيرة إلى برلين لم تتح لنا فرصة التعرّف إليها جيّداً، وعليه قررنا أن نعود إليها قريباً. وعدنا آملين أن نحظى برحلة عودة آمنة بعض الشيء، لكنّ الرياح جرت بما لا تشتهي السفن!

في القطار الأول جلسنا في مقاعدنا لكنّ العربة كانت تغلي بنا، فدرجات الحرارة كانت تزيد على الثلاثين والمكيّف كان معطّلاً، ولكم أن تتخيّلوا صعوبة الأمر!

التبديل الثاني كان مصيفاً بالنسبة لنا، نحن ـ الهاربين ـ من الجحيم. لكن “يا فرحة ما تمّت” فبعد نصف ساعة من الرحلة توقّف القطار وأعلن قائد الرحلة أنّ هناك حريقاً على الطريق وعلينا أن ننتظر قليلاً. تبعه إعلان آخر يطلب منا النزول لأن الرحلة ألغيت ولأنهم سينقلون المسافرين بالحافلات إلى مدينة أخرى.

نزلنا مع الأطفال والأمتعة لنجد أنفسنا في محطّة شبه مهجورة لقرية صغيرة. توسّدنا الأرض ووجد الأطفال فسحة للّعب، ومع طول الانتظار أخرجنا عدّة الرحلة وأقصد بها عدّة المتّة من غاز وإبريق وغلينا القهوة هذه المرّة على أمل ألّا يكون الانتظار طويلاً.

بعد ساعة ونصف جاءت حافلة واحدة صعدنا إليها بالترتيب، الأطفال مع الأمهات وكبار السن ثمّ الآباء تلاهم الشباب. نقلتنا الحافلة إلى مدينة أخرى وهناك كان كلّ شيء ينبئ بمأساة انتظار طويل. المدينة كسابقتها صغيرة، محلّات محطّتها الصغيرة مغلقة من الساعة السادسة مساء.

امتلأت بالمسافرين الغاضبين ومنظّمين متطوّعين حاولوا مساعدتنا قدر المستطاع. لكنّ مساعدتهم لم تكن مجدية أمام تقصير شركة النقل DB والتي كانت مسؤولة بإهمالها وسوء إدارتها عن بقائنا لعدّة ساعات على أرصفة المحطّة بانتظار حلّ لم يأتِ من الجهة المسؤولة. مما دفع صديقنا إلى الاستنجاد بأصدقائه الذين قدموا بسياراتهم مشكورين لاصطحابنا.

النهاية

قد لا تكون النهايات سعيدة دائماً! فرغم أننا أنقذنا ما تبقّى من عطلتنا ببعض النشاطات السعيدة، إلا أن مشكلة تعطّل خط القطارات التي نستقلّها عكّرت صفو نهاية العطلة.
يتبع..