16. أكتوبر 2021

بالصور.. (آل برلين) بيت المنفى الذي يجمعنا!

“أنا ابن الجولان المحتل.. لم يكن لدينا باسبور أو هوية، نحن يتعامل معنا العالم على أننا غير موجودين، لذلك قررت الهجرة إلى سويسرا قبل ٧ سنوات، كي يصل فني للآخرين”. حسن نخلة، ملحن ومنتج سويسري سوري، عضو فرقة tootard ويميل للارتجال على المسرح، بدافع من الرغبة والشعور بالإثارة لاكتشاف وتجريب نوع مختلف من الموسيقى، كما فعل على مسرح المهرجان، ليلة الخميس الماضي.

بدأت “توت أرض” منذ عشر سنوات مضت من مرتفعات الجولان في مجدل شمس حيث نشأ حسن، يتحدث حسن في موسيقاه عن حرية الحركة مثل ألبوم “let pass” يعكس فيه الصعوبات التي واجهها بسبب عدم امتلاكه جواز سفر وكذلك ألبوم “الطيور المهاجرة” الذي يطرح فيه معاناته المتعلقة بالهجرة مع شقيقه الفنان رامي نخلة، ومغنيه أخرى من مجدل شمس أيضا، تدعى حنين أيوب.

آل برلين أدرى بحاراتها!

كانت موسيقى الجاز حاضرة بالمهرجان، فمن إفريقيا والبحر المتوسط مع دي جي ديميترا زينة، لوصلة راقصة على المسرح مع جميلة والأبطال الآخرين على نغمات الفانك الصحراوي، ثم مرة آخرى إلى القصص والحكي والبحث عن بيت من خلال أغاني يألفها الحضور، مع -دي جي- رشا حلوة، انتهاءً بسماع صراخ الحضور بتأثر شديد عند مقطع “يا وطن يا حبيب، حتى نارك جنة..”، على صوت (نشاما السورية)، الفرقة الشعبية الأولى في أوروبا، والتي تأتي من مشهد الثورة السورية.

بهذا المشهد الموسيقي الذي لا ينفصل عن قضايانا السياسية التي آتت بنا إلى هنا، انطلق “مهرجان آل برلين” الموسيقي، يوم الخميس الماضي في ليلته الأولى. بحسب فريق “آل برلين” فإن المهرجان يأتي للتأكيد على التغييرات الحالية في السنوات الأخيرة التي شهدتها برلين، بعد أن أصبحت وطنًا ومنزلًا لهذا المشهد الفني والثقافي والسياسي، وأن هدف المهرجان أن تتصل كافة الجاليات العربية ببعضها البعض من خلال الموسيقى والفن.

صور من أجواء المهرجان

previous arrow
next arrow
Slider

بيت

رشا حلوة، كاتبة وصحفية فلسطينية، ورئيسة تحرير مشاركة لموقع رصيف22، وهي أيضاً حكواتية دي جي، في محاولة منها للجمع بين القصص والموسيقى. تقول حلوة: “الموسيقى بالنسبة لي هي رسم للعالم الذي كنت أحب أن أعيش فيه أنا وبناتي، عالم لا يوجد به حدود ولا استعمار، ولا أنظمة قمعية ولا أبوية ولا ذكورية، عالم حر سهل الحركة فيه، مثل سهولة الموسيقي أثناء دخولها إلى القلب، بلا أن نضطر لترك بلادنا من أجل حياة أفضل، الموسيقى بالنسبة لي، هي حالة سفر إلى أماكن آمنة من خلال الأغاني لأننا نحتاج من وقت لآخر أن نشعر إننا في أمان في بيوتنا”.

تختصر حلوة علاقتها مع الموسيقى بأنها علاقة “بيت” وأقل شعور بالغربة في هذا العالم، مضيفة أن الموسيقى دائماً حاضرة في حياتها منذ طفولتها، حتى بعد أن صارت صحفية، اختارت التخصص بالصحافة الثقافية عامةً، وبالمشهد الموسيقي في فلسطين والعالم العربي على وجه الخصوص.

تلعب حلوة موسيقى البوب والتراث بنسخته الأصلية، وتميل إلى اختيار موسيقى آتيه من عالمها ولها ألفة معها. مثل ما تسمعه هي والآخرين في حيفا ورام الله والقاهرة ودمشق وبيروت. تحاول أيضا التنويع بين الموسيقى الأمازيغية والكردية والإيرانية والتركية. مشيرة إلى أنها عاشت في برلين ٤ سنوات وهي لا تحب الموسيقى الإلكترونية ولا تنتمي إليها! لذلك تميل إلى الموسيقى والأغاني التي تنتمي لها هي والآخرين الذين يتشاركون فيها الذكريات والمشاعر والرقص الجماعي في لحظة يشعرون فيها بالبيت: “في مثل هذه الحفلات، نعود كلنا لوقت محدود إلى البيت البعيدين عنه، اختياراً أو قسرياً، وهذا بيدفي القلب”.

العودة للجذور

يبدو هذا جليًا، من خلال الثوب الذي ارتدته جميلة اليوسف، المغنية الرئيسية في فرقة جميلة والأبطال الآخرين، تحاول اليوسف تقديم أعمال فنية تعكس جذورها الفلسطينية، ورسم ملامح لشكل بلدها بعيدًا عن التقسيمات مثل yaba وأحلام بلا حدود. وُلدت جميلة في العاصمة الألمانية يوم سقوط جدار برلين لعائلة فلسطينية، تضيف: “بدأت منذ عشر سنوات تأسيس مجموعة أندر-جراوند من أجل المشاركة بمهرجان فيوجن فيستيفال، الذي جمع المئات من فناني الشرق الأوسط”.

وبحسب اليوسف، تأسست الفرقة في ٢٠١٦ بأعضاء من جنسيات مختلفة، يجمعهم الشغف بموسيقى الروك والهيب هوب. قدمت الفرقة حفلات في ألمانيا وشمال أفريقيا والشرق الأوسط، بأسلوب مختلف أطلقوا عليه (الفانك الصحراوي الساحر) الذي يدمج بين الروك و الفانك والفلكلور العربي.

نارك جنة

حتى شوك بلادي، دا ياسمين وجوري، والله نارك جنة سوريا يا وطنا.. خطفت فرقة (نشاما السورية)، قلوب الحاضرين سريعًا لبعض الدقائق على أغاني الثورة السورية، في حالة أشبه بـ “كنّا هناك ونحن الآن هنّا بعيدًا عن أوطاننا، لكن لن ننسى”! حال أغلب من يعيش بالمنفى ومن بينهم أنا أيضًا.

أبدأ عامي الثاني بعيدًا عن وطني الحبيب مصر، بعد أن تعرضت للاعتقال ٣ مرات بسبب عملي الصحفي، وجدت نفسي فجأة خارج الوطن، ورغم أنني لست سورية، إلا إنني حتى كتابة هذا المقال مازلت أردد “والله نارك جنة، مصر يا وطنا”.

لم أكن وحدي في هذه الليلة التي دامت لعدة ساعات، لكن تأثيرها كان أشبه بعامي الماضي الذي قضيته بحثًا عن لحظة أمان وأنني لست وحدي! وأنني داخل البيت، قابلت هذا اليوم الكثير من المصريين الذين تجمعنا قضايا مشتركة، وجدت أحد الأصدقاء يقول: “للمرة الأولى يشعر بالأمان في مساحة فنية وموسيقية مثل التي وفرتها آل برلين”، وإنه تعرض لمواقف تحمل عنصرية بفعاليات آخرى يغلب الحضور فيها لـ أصحاب البشرة البيضاء، وأن الأمان الذي شعر به، دفعه لأهمية التفكير في ذلك لاحقًا، وهو أن يتواجد بمساحة مريحة له وتحمل الأحساس بالأمان أو البيت.

وعلى ذكر الثورة المصرية والسورية، والأحاديث التي دارت، وبين الرفقة السورية والمصرية كنت أتجول، في لحظات التقاط السجائر ومشاركة المشاعر و التجربة المؤلمة الجمعية التي نعيشها نحن أبناء المنفى، ورغم اختلاف ما آلت إليه الأمور في البلدين، لكنهما يتشابهان في الخذلان والقسوة التي أصابتنا، يقول صديقي: “أنا جسمي قشعر جدًا في لحظة ما كانوا بيغنوا -جنة جنة.. سوريا يا وطنّا- تأثرت جدًا وحسيت إني مش لوحدي”.. أقول له: وأنا أيضا!

  • إعداد وتصوير: بسمة مصطفى