Photo: Privat
22. أبريل 2021

يارا.. من نوبات البكاء إلى صناعة السعادة!

عندما تخدم إنسانا عاجزا عن خدمة نفسه، ثم تشعر بالرضا لمجرد تعبيره عن الامتنان، قد تتغير نظرتك للحياة. كما حدث مع يارا عند تقديمها قطعة (كرواسان) ساخنة لمريضة سرطان فقدت شعر رأسها وأصيب جسدها بالهزال.

إحساس الرضا بخدمة الآخرين

أصبح دافع يارا لخدمة مرضاها ينطلق من حاجتها الإنسانية لتحسين حياة غيرها. خاصة وأنهم من المرضى الذين لا يستطيعون خدمة أنفسهم مهما كانت بسيطة: “شعور جميل جدا، وقت يكون فيه مريض نائم على السرير وما أحد غيرك يعطيه أكله، ويعبر عن شكره لك.. لما أشوف مرضى حالتهم كثير صعبة ومشتهين أكلة صغيرة عينهم عليها أجيبها، حتى لو رحت للقسم الثاني”.

صقلت تلك التجربة روح يارا، وعززت رغبتها بإسعاد الآخرين، لتقوم أحيانا بتقديم خدمتها لمرضى مصابين بتشوهات جسدية قاسية ليس عليها رعايتهم بنفسها، بل يحق لها الاستعانة بممرضة مدربة، لكنها تخدمهم بنفسها حتى لا تجرح مشاعرهم، ولأنها تمتلك حسا مرتفعا بمشاعر هؤلاء، تتعامل معهم بما يمليه ضميرها كإنسان، وتلح عليهم لتناول الطعام عندما يعرضون عنه، حرصا على وضعهم الصحي، ليقول لها أحد المرضى: “ابقي كما أنت، ولا تتغيري”، لأنها ألحت عليه بالأكل ولم تكتف بما عليها من تقديمه إليه وترك خيارات تناوله للمريض. تنقل يارا هذه العبارة كوسام فخر لها.

خارج أوقات العمل، تقضي يارا وقتها بالأعمال المنزلية ومتابعة النت، وتحب المشي والقراءة، وتعتبر رواية سمرقند لأمين معلوف أهم كتاب قرأته، كما أنها تحب الطبخ وعمل الحلويات، وتطمح لتطوير لغتها والعمل في مجال البيئة، وتقديم الخدمة لمجتمعها الجديد في المانيا.

بعد 11 عاما من العمل في شركة أدوية رائدة في سوريا، غادرت يارا إلى المانيا بفيزا نقلتها من عالم إلى آخر مختلف كليا، فتجربة سنوات الحرب الثلاث التي عاشتها في بلدها دفعتها للهجرة، والحرب نفسها تمنعها من زيارة بلدها الأم اليوم، وتمثل دافعا لها لتجاوز كل متاعب الاغتراب وصعوبات التأقلم، وطبيعة العمل الشاق الذي مارسته كضرورة لتوفير نفقات السكن والمعيشة عند قدومها إلى المانيا، لأنها فضلت الاعتماد على جهدها لتكوين حياة جديدة ولم تطلب اللجوء.

العمل وتحصيل لقمة العيش

عندما وصلت يارا إلى المانيا، لم يكن لديها الحق بالحصول على مساعدة الدولة لاكتساب اللغة، ولأن دراسة اللغة تكلف مبالغ مرتفعة، لم توافق يارا على أن يتحملها كفيلها الذي وفر لها فيزا دخول البلد، ورغم أنها تحمل ليسانس أدب انجليزي، وطورت نفسها في مجال تقنية المعلومات من خلال دورات متعدده، إلا انها قررت العمل بمقصف مدرسي لمدة سبع ساعات يوميا، كانت ظروف ومتطلبات العمل شاقة للغاية وتتضمن رفع الأحمال الثقيلة، فأصيبت بمشاكل في المفاصل نتيجة ذلك، واضطرت لمغادرة العمل الذي لم يكن يوفر لها أكثر من إيجار السكن والمعيشة الضرورية، وينهكها جسديا بشدة.

انتقلت يارا لتعمل في قسم الخدمة والرعاية بمستشفى، حيث يتوفر لها بعض الوقت لتطوير لغتها من جديد، عبر الانترنت والقراءة والمحادثات اليومية مع المرضى الذين تقدم لهم الطعام كوظيفة لها منذ 2017، لكنها لا تكتفي بمجرد أداء الوظيفة، بل تمارسه كعمل إنساني يمنحها الرضا عن نفسها، ويوفر لها الاستقرار النفسي والمادي، مقابل تحديات معنوية كبيرة، فهي تتعامل يوميا مع أناس يعانون من أمراض مزمنة، خاصة في قسم السرطان، حيث منحها أحد المرضى دفعة معنوية غيرت تفكيرها تجاه عملها، ليتحول من روتين إلى مصدر للطاقة الإيجابية والسعادة معا، عندما منحها قسم الخدمة تقييما مرتفعا بعد أسابيع من التحاقها به، وحرص إلى إبلاغها ذلك عبر ممرضة القسم، كون لغة يارا لم تكن تسمح بالفهم السريع للغة الألمانية.

الاستمتاع بالحياة وجمالها

الصعوبات المستمرة، والعمل الشاق، والشعور بالاغتراب، لامرأة تحب التواصل مع المجتمع وتكوين الصداقات التي تفتقدها بشدة في بلدها الأم (سوريا)، أدخلت يارا بمعاناة نفسية ونوبات بكاء مفاجئة ومستمرة، الأمر الذي استدعاها الى التواصل مع استشاري نفسي متخصص للعلاج بالسلوك المعرفي في رغبه من يارا لتحدي نفسها ومواجهتها قبل مواجهة الخارج.

في رحلة معرفه الذات، كانت كلمات طبيبها لها: “ما عندك حياة”، أول ما صدمها وكشف لها زاوية لم تعرفها عن نفسها من قبل، أي أنها بالحياة الروتينية اليومية دون قدرة على الاستمتاع بجمال الحياة، لا تعيش الحياة الحقيقية المفترضة.
واجهت نفسها وقررت أن تتقبل الوضع الجديد، واستمرت في جلساتها مع طبيبها التي اعتمدت على البوح بدرجة أساسية، وبعض العلاجات والنصائح، حتى تجاوزت حالتها النفسية وأصبحت قادرة على الاستمتاع بحياتها، وسماع الموسيقى من جديد، لكنها ظلت غير قادرة على التعبير عن نفسها نتيجة الصعوبة اللغوية المركبة، فهي تحتاج التحدث بطلاقة لسببين: الأول بحكم عملها في المستشفى وتعاملها مع المرضى؛ والثاني لإيصال ما تريده لطبيبها بدقة، وفهم ما يقول أيضا.

اللغة الألمانية وتحديات التعلم

معرفة المصطلحات الطبية مثلت تحدٍ جديد ليارا، فقررت اعتبار احتكاكها اليومي بالمرضى أداة لتعلم اللغة، فالمرضى يشعرون بالاهتمام ممن يستمع لهم ويحبون الحديث عن أنفسهم، ما كسر حاجز الخجل الذي عانته نتيجة الأخطاء التي تظهر عند حديثها، وبالتزامن كانت تدرس بشكل منفرد في البيت حتى وصلت مستوىB1 واجتازت امتحانه بجدارة.

تحب يارا مجتمعها الجديد الذي يمنحها حرية مرتفعة غير موجودة بسوريا، والشعور بالأمان ويوفر الحاجات الأساسية والحقوق والانفتاح والسلام، وتحب أن ترى كل البلدان كألمانيا، وفي الوقت نفسه تحب العودة لبلدها الأم (سوريا) إذا وجدت مؤشرات نهضة وعودة الحياة الطبيعية، ووجود حكومة للشعب وليست ضده، فهي ترى أن ثورة بلدها كانت بريئة ونزيهة لكنها تعرضت للخطف منذ بدايتها.

كانت يارا تخجل كثيرا من أخطائها حين تتحدث باللغة الألمانية، حتى سمعت عبارة من سيدة المانية غيرت تلك المشاعر كليا: “من ليس له لهجة، ليس له وطن”، فأصبح البحث عن وطن في حروف اللغة دافعا جديدا للتعلم عند يارا، وبعد أن فقدت وطنها الأول بسب الحرب، لم تسمح للغة أن تفقدها وطنها الثاني ألمانيا.

  • سماح الشغدري
    شاعرة وكاتبه من اليمن