Photo: epd - Theo Klein
1. يونيو 2020

قيود كورونا وتأثيرها على حرية التعبير في ألمانيا!

رأينا جميعنا كيف تعامل مهاوييس نظرية المؤامرة مع أزمة كورونا، واجترارهم لفكرة ثالوث الشر الذي يحكم العالم، وأنه هو من اخترع الفيروس كي يفتك بنا أو في أحسن تقدير يتحكم فينا! هذه الفكرة التي يلوكها أنصار نظرية المؤامرة منذ عقود، “لا النظرية اختفت، ولا هم توقفوا عن اللجوء إليها لتسهيل فهم أي شيء يصعب عليهم فهمه”، لكن هذا لا يعني  بأي حال من الأحوال التوقف عن التفكير خوفًا من أن نوضع معهم في نفس التصنيف، فمجرد الحديث عن قيام شرطة برلين بتفحص هويات الأفراد، جعلني أتحسس مخزون القمع في ذاكرتي الإنسانية، شعرت أنه يجب علينا القلق عندما لاحظت عودة بعض المدونين العرب المفترض انتمائهم لليسار لإعلان انبهارهم بالنموذج الصيني بشكل عام وليس فقط إدارة الصين لأزمة كورونا، قلت لعلها بقايا فانتازيا ستالينية لدى بعض من أحب تسميتهم بـ “السلفية اليسارية”، حتى بدأت العديد من مراكز البحوث تتناول المسألة متخطية مجرد رصد المشهد بالصين إلى طرح تساؤلات تتعلق بنظرة العالم إلى النموذج الصيني، خاصة في الشرق الأوسط وربما بعض دول شرق أوروبا، وكيف أن استجابة الناس بسرعة لقرارات الحكومة كانت نتيجة لبقايا خبرات استبدادية لديهم، محذرين من كون الأزمة تخلق من الواقع العالمي مناخًا خصبًا لإطلاق يد الحكام والساسة لتغيير القوانين بل والدساتير بحجة احتواء العدوى، ليس فقط في الديمقراطيات الهجينة ولكن أيضًا في الديمقراطيات الليبرالية، خاصة وأن الأخيرة تعاني أزمة لم تعد تخفى على أحد منذ ما قبل أزمة كورونا.

ألمانيا غنية حد ضمانها حرية التعبير

“لا أرى أن حرية التعبير في ألمانيا تأثرت بالظروف الحالية، فمازال يمكنك قول ما تريدين، ويظهر ذلك واضحًا في التظاهرات العرضية التي يقوم بها أناس معارضون لسياسات الحكومة”، هكذا يرى الكاتب كليمنس شيتكو الوضع حاليًا، مضيفًا أنه في بلدان أخرى كالبرازيل والمجر تحاول الحكومات استغلال الأزمة لزيادة سلطتها، و”بالطبع يأتي التأثير الأسوأ لكل أزمة على الأكثر فقرًا وهو ما يحدث الآن، يمكننا القول بأن ألمانيا غنية إلى الحد الذي يجعلها مازالت قادرة على ضمان حرية التعبير”، ويرى الشاعر البرليني البالغ من العمر 41 عام بأنه كلما كانت البلد غنية كلما كانت ديمقراطيتها أقوى، هذا مع الأخذ في الاعتبار سلطويات غنية كالصين كاستثناء. وحول أسباب عدم انزعاجه من القيود التي فرضت بخصوص الأزمة يقول شيتكو: “لم تساورني أية مخاوف منذ البداية، فلو لم يلتزم الناس بهذه القيود لكان ربما عشرات الآلاف من الناس في ألمانيا ماتوا بسبب الفيروس، علينا فقط الحفاظ على نوع من التوازن، كما أنه في هذه الحالة فإن صحة العديد من الناس أكثر أهمية من حريتي الشخصية، وبرأيي أنه حتى لو لم يكن هناك قيود مفروضة على الحقوق الأساسية، أظن أن الناس كانوا سيقيدون أنفسهم بها خوفًا من أن يصابوا بالفيروس، بل إن ذلك ما حدث بالفعل قبل فرض القيود في برلين”. لكن يحب شيتكو أن يوضح نقطة حول التزام الألمان بالإجراءات، ألا وهي أن الأوضاع أفضل وبالتالي يستطيع البعض البقاء لفترة من الزمن بلا عمل، هذا بالإضافة إلى قيام الدولة بتقديم المساعدات المالية لفئات واسعة.

حريتي تتوقف عند حرية الآخرين

أما نادين ع. (تم تغيير الإسم بناءًا على طلبها) صحفية سورية مقيمة في برلين ترى بأن القيود بالطبع تناقض الحقوق الأساسية التي يكفلها الدستور الألماني، وبأنه بحكم عملها بالإعلام رصدت انقسام الناس إلى قسمين، قسم مع الدولة وما تقرره من إجراءات، وقسم متخوف يقول أصحابه بأن ما يحدث بداية لعصر ديكتاتوري، وبأن ما يحدث هو مجرد تمهيد لسلب كل حقوقنا الأساسية، ولكنها هي شخصيًا لا تستطيع أن تجزم من على خطأ ومن على صواب: “بالنسبة لي كمواطنة محدودة الدخل مسلوبة الدماغ قلت لنفسي حسن الموضوع ليس به ضرر وسيستمر فقط لفترة معينة، ولن يضيريني شيء أن أبقى بالمنزل لفترة، لأنه في حال الخروج يمكن أن أتسبب للآخرين بالأذى، فعندما أدخل الأسبان أو الأوبان دون الكمامة لا يتم تغريمي، لكنني أرى نظرات الخوف في عيون الناس، وهنا لابد علي أن أحترم حرية وحقوق الآخرين بأن لا أتسبب لهم بأي إزعاج وأرتدي الكمامة، فحريتي تتوقف عن حدود حريات الآخرين”، وتضيف الصحفية ذات الـ 30 عام بأن مسألة مخاطر كورونا على الديمقراطية مربكة: “عندما أنظر إلى بعض دول الشرق الأوسط حيث يفرض حظر تجوال من 6 مساء إلى 6 صباح أرى أن الأمور هنا أسهل بكثير، بالطبع كان هناك إجراءات معينة ولكني أراها في حدود المبرر فهناك وباء عالمي أصاب كل البشرية، وأنا كمواطنة من واجبي الالتزام بالإجراءات”. ولكن رغم أن نادين ترى أن الأمور كانت في حدود المعقول بألمانيا، إلا أنها عبرت عن قلقها من تصرفات الشرطة: “مالم يكن طبيعيًا هو تصرفات الشرطة وكيف كانت تحاول تطبيق الإجراءات بضرب الناس وبطرق غير جيدة، فكيف لهذا أن يحدث بدولة متحضرة كألمانيا. لم تتوقف نادين عن طرح التساؤلات خلال المقابلة أهمها مسألة تخفيف القيود بشكل مفاجئ، تقول: “لا أدري ماذا حدث فجأة، فحتى الآن لم يتم الوصول لا إلى دواء ولا إلى لقاح، فأين ذهب الفيروس وكيف تم التخفيف بهذا الشكل، هل لم يعد هناك أي خطر؟ أم أن ذلك بسبب ضغط الشعب على الحكومة؟ في بداية الأزمة شعرنا بأن العالم في طريقه إلى الزوال بقينا بالبيوت.. إلخ، وفجأة أصبح كل شيء مسموح، فماذا جد”؟

ديمقراطية ألمانيا في حالة مقاومة

برأيي لم يكن الأمر بهذه السهولة، وهذا الشعور بعدم تهديد حرية التعبير لم يكن نتيجة لفعالية الديمقراطية النيابية فقط، ولكن لوجود مكونات سياسية يقظة سواء في المعارضة، على المستوى الاتحادي، أو في الحكومة المحلية، فمن خلال متابعة النقاشات والجدالات داخل البرلمانات المحلية والبرلمان الاتحادي وحكومات الولايات والحكومة الاتحادية، يلاحظ أنه كان هناك محاولات كثيرة للتعدي على الحقوق الأساسية والحقوق الفردية وغير الفردية، بشكل ربما غير مقصود، فابتداءًا من تراجع تحالف “اليسار – الخضر – الاشتراكي الديمقراطي” بولاية برلين عن مسالة قيام الشرطة بالتحقق من هوية الناس خارج منازلهم للتأكد مما إذا كانوا أقارب بالفعل، ومرورًا بالتصريحات المتتالية والسريعة منذ بداية الأزمة لعمدة ولاية برلين ميشائيل موللر التي أكد فيها تارة بأنه “لا لن تشدد الإجراءات” وتارة يذكر بمقدار الثقة في سكان الولاية وأهمية التعاون والتكاتف دون اللجوء لزيادة حدة القيود، إلى رفض حكومة الولاية مطلب اتحاد شرطة برلين بإغلاق الحدائق العامة، ووجهت الشرطة بأهمية بقاء عناصر الشرطة للمراقبة من بعيد فقط، ليبلغ هذا الشد والجذب ذروته عندما طالب رئيس البوندستاج الألماني فولفجانج شوبله ما أسماه “حل طوارئ لإصلاح قانون الانتخاب لتقليص حجم البرلمان، وهو ما قوبل بالرفض بأن هذا ممكنًا دستوريًا فقط في حال الدفاع الوطني، وبغض النظر عن إن تقليل عدد أعضاء البرلمان أو تقليل الدوائر الانتخابية أمر عليه جدل منذ وقت ليس بالقليل، إلا أن إقرار مثل هذا التغيير في هذا الوقت سيجر تلاعبات أخرى بالدستور!