Image by the2me from Pixabay
8. مايو 2020

ذكرى نهاية الحرب العالمية الثانية.. هل تعلمنا الدرس؟

في مثل هذه الأيام قبل 75عاماً، كانت شوارع برلين مليئة بالأنقاض والثكالى والجثث، والأطفال الذين فقدوا عائلاتهم بسبب الحرب التي راح ضحيتها ملايين القتلى! في مثل هذا اليوم بدأت مرحلة جديدة بحياة الألمان، مرحلة النجاة والبناء والحرية..

أطفال الحرب

في الفيلم الذي عرضته قناة ARD والذي يحمل عنوان “أطفال الحرب”، يروي أشخاص تتراوح أعمارهم بين 80 عاماً و100 عاماً ذكرياتهم مع نهاية الحرب، فحينها كانوا أطفالاً ومراهقين، يصفون تلك الأيام السوداء التي مرت على الشعب الألماني، يصفون اللحظات التي خرجوا فيها من الملاجئ إلى النور، وكيف كانت شوارع المدن تمتلئ بالجثث والدمار. يتحدثون عن أهاليهم الذين غيبتهم الحرب ولم يعودوا. أطفال من المعتقلات التي بناها النازيون لليهود، وأبناء لضباط نازيين تمت محاكمتهم في محاكم نورمبيرغ، وآخرين مازالوا يحملون جراحهم حتى اليوم. كنت أستمع لحكايتهم وكأنني سمعتها من قبل وعشت تفاصيلها الدقيقة، ففي الوقت الذي يروي هؤلاء ذكرياتهم عن الحرب، هناك أطفال آخرين في اليمن وليبيا وسوريا يعيشون الأوضاع ذاتها ولو كانت تفاصيل مختلفة، لكن الحروب قذرة بكل أشكالها! هذا التوثيق لذاكرة هؤلاء مهم جداً، حتى لا ننسى بشاعة الحرب، وما تجره من ويلات على الشعوب، وحتى لا ننسى أن الكراهية والعنصرية لا تبنيان مجتمعاً راقياً، وأنهما إذا تفشيتا في شعب أو مكان، يكون مصير الشعب والمكان الزوال.

لغة السلاح: الدم والدمار

تمر ذكرى نهاية الحرب العالمية الثانية اليوم، وللأسف ما يزال السلاح يتكلم في بعض المناطق، او ما تزال آثار الحروب بادية للعيان في مناطق أخرى، وكأن العالم لم يستفد من الدروس السابقة، ولم يتعلم أن السلاح لغة لا يستخدمها سوى الجبناء، لغة مفرداتها الدمار، والدم.. لغة يجب أن تموت وتندثر. برلين اليوم كما يصفها الجميع هي مدينة الحب والسلام، وملجأ للهاربين من حروب بلادهم، مدينة تعج بالحياة، فبدل الأنقاض نبتت الأشجار والورود، وحلت الموسيقا محل أصوات القذائف والمدافع، وحل الحب مكان الكراهية التي تحاول بين الفينة والأخرى أن تعلي صوتها الذي نأمل أن يبقى ضعيفاً وغير مسموع.

كبرلين مدن كثيرة تنفست بعد الحرب، منها بيروت التي طحنتها الحرب الأهلية، والحروب الخارجية.. ومنها بغداد التي ما يزال صدى أنينها يتردد في كل العالم، ومنها كابول التي مزقتها القذائف والصواريخ، ومثل برلين قبل 75 عاما الآن كثير من المدن، كإدلب التي دمرها بشار الأسد مع حلفائه الروس والإيرانيين، والعديد من المدن السورية التي باتت الانقاض تملأ شوارعها وطرقاتها، ويتردد في بيوتها المدمرة والخالية من سكانها صدى الصواريخ والبراميل المتفجرة، وتنتشر في طرقاتها روائح الكلور وبقايا القنابل العنقودية..

الأمل

رغم الجراح والآلام التي تركتها الحرب في نفوس الألمان عامة والبرلينين خاصة، عادت الحياة تنبض فيهم من جديد، وأثبتوا للعالم أن الحروب والكراهية لا يمكن أن تبني، فهي أدوات هدم، الحب والسلام والأهم العدل، وحدها القيم التي تبني وتؤسس لحياة كريمة، يحصل فيها الجميع على حقوقهم المدنية، ويحترمون الآخر بغض النظر عن دينه أو لونه، ويؤمنون بحق الجميع بالحياة والحرية.

نتطلع بأمل أن تنتهي الحروب والظلم في كل العالم، وأن نزرع بدل الأنقاض في شوارع إدلب وحمص، والرقة ودير الزور، وطرابلس الغرب، وصنعاء، وعدن.. وروداً يطغى عطرها على رائحة البارود، وأن ننصب بدل قواعد الصواريخ، أراجيح لأطفالنا الذين سيروون يوماً ما قصصهم وهم يعيشون في حب وسلام وعدل..

Image by the2me from Pixabay