Image by Pete Linforth from Pixabay
18. أبريل 2020

ممارسات “مقاومة الضغط النفسي” في زمن كورونا

د. سارة عيّاش

تغيرت الحياة كثيراً مع انتشار فيروس كورونا، وقد ينعكس هذا التغيير على الصحة النفسية، وخاصة مع تطبيق العديد من القيود التي تحد من نشاطاتنا اليومية، وتواصلنا الاجتماعي سواء مع الأسرة والزملاء في العمل أو في المدرسة، أوالجيران والأصدقاء بشكل عام. من نتائج ذلك قد يزداد الضغط النفسي على البعض، وخاصة أولائك الذين لم يعتادوا على نمط الحياة التي فرضها انتشار فيروس كورونا.

نحن في أمل برلين أجرينا لقاء مع الدكتورة المتخصصة بمقاومة الضغط النفسي سارة عياش. سارة أنهت دراستها للهندسة الوراثية حتى البكالوريوس في جامعة العلوم والتكنولوجيا في الأردن، لتحصل بعدها على منحة لإتمام دراستها العليا في جامعة توبنغن، والتي أنهت دراسة الماجستير فيها بتخصص علوم الدماغ والأعصاب. وبعدها حصلت على شهادة الدكتوراه من جامعة ماينز بالتحديد في مجال “علم مقاومة الضغوطات النفسية. والآن تعمل كعالمة وباحثة في منظمة “ Leibniz-institut für Reslienzforschung “.

المنظمة بحسب سارة هي منظمة بحث علمي، غير تابعة للجامعة، تهدف للقيام ببحوث علمية في علم مقاومة الضغوط النفسية، الأمر الأساسي المعنية به المنظمة، هو فهم العمليات الدماغية من خلال علم الدماغ والأعصاب، وفي حال فهم هذه العمليات التي تحفز مقاومة الضغط النفسي، يصبح بإمكاننا نصح هؤلاء بطرق علاجية، وحماية الناس الذين يعملون في مهن تجعلهم عرضة لهذه الصدمات، كالجنود في الحرب، أو رجال الإطفاء، أو العاملين في المجال الصحي، بالإضافة للأشخاص الذين أصبح لديهم ضغوطات نفسية نتيجة صدمات تعرضوا لها في حياتهم وهي المنظمة الأولى المتخصصة بهذا العلم على مستوى أوربا.

ما هو الضغط النفسي؟

الضغط النفسي هو اختلال في عمليات الأيض، يسببها إما حافز جسدي كالمرض لفترة طويلة، او حافز نفسي. وهو عامل رئيسي للإصابة بالأمراض العقلية، والنفسية كالإكتئاب، والقلق واضطراب ما بعد الصدمة. والتكلفة السنوية لعلاجات الإضطرابات الناتجة عن الضغط النفسي هي 200 بليون يورو في أوربا. وهذا يعني وبعد سنوات من الأبحاث في علم الضغط النفسي، فإن النجاح للتقليل من الإصابة بالأمراض العقلية والنفسية ما يزال محدوداً، حيث ما زالنا ندرس الحالة المرضية للمصابين بأمراض الناتجة عنه. وعلى الرغم من هذا فإن النسبة الأكبر من البشر وبعد تعرضهم لتحديات الحياة وضغوطاتها لا يصابون بالأمراض.

ما هو علم مقاومة الضغوطات النفسية؟

هو علم أصبح شائعاً في العقد الأخير، في البداية تمت دراسته من قبل علماء النفس أي من ناحية أدبية ونفسية، أما حالياً فهو جزء من علوم الدماغ والأعصاب. وتجرى تجاربه على الحيوانات، أي أنه أصبح هناك دراسة له من ناحية بيولوجية. وهو يعرف على أنه القدرة على التكيف مع الضغوطات، مع المحافظة على الوظائف النفسية والجسدية بشكل طبيعي.

فالضغط النفسي بحسب الأبحاث  يؤدي إلى تغيير فعال وملموس في الدماغ وفي تواصل مناطق الدماغ مع بعضها البعض، هذا التغيير قد يكون سليماً وهذا ما يسمى ” بمقاومة الضغط النفسي” وقد يكون غير سليم وبالنهاية يؤدي إلى الإصابة بالمرض. فدراسة مقاومة الضغوطات النفسية قد تتيح فرصة لفهم الأمراض العقلية والنفسية من زاوية جديدة، تفتح أبواب للعلاج قد تكون فعالة أكثر من الطرق المستخدمة الآن، ويتسم علماء مقاومة الضغوط النفسية باهتمامهم في التحقيق بالعمليات التي تحمي النسبة الكبرى من البشر، بدل من اهتمامهم في العمليات المؤدية للمرض، ففي الحقيقة وبحسب الدراسة نسبة 80% من البشر يتعرضون لصدمة واحدة في الحياة، وعليه هذه النسبة الكبرى لا تصاب بأمراض بعد هذه الصدمات، مما يعني أن مقاومة الضغط النفسي هي الوضع الطبيعي للإنسان والمخلوقات الأخرى.

ما هي الممارسات التي تجنبنا التعرض للضغط النفسي في زمن انتشار وباء فيروس كورونا؟

بداية يجب ألا نغض البصر عن الضغط النفسي الذي يتسبب به وباء كورونا، وأن نركز فقط على الجانب الفيزيولوجي في زمن انتشار الوباء. فالإجراءات التي يتم اتخاذها على الرغم من أنها مفهومة ومبررة، إلا أنها قد تسبب الضغط النفسي لبعض البشر، وعليه أطلقت المنظمة عشر توصيات تساعد على التخلص من الضغط النفسي، وتعزز المناعة النفسية، ومقاومتنا له:

أولاً: التعامل مع المعلومات بعناية، واللجوء للمصادر الموثوقة كمعهد روبرت كوخ الألماني، ومنظمة الصحة العالمية. وأن لا نستهلك طاقة الدماغ على المعلومات المزيفة والخاطئة. وأن لا نبقى في حالة مستمرة من البحث عن المعلومات، بل نأخذ فترات راحة منتظمة من ذلك.

ثانياً: الحفاظ على الروتين القديم، أو تطوير روتين جديد، أي أن يكون يومنا متنوع النشاطات، وأن يكون جزء من جدولنا اليومي الخروج للمشي وحتى ولو لمدة نصف ساعة، لأن هذا ضروري لصحتنا النفسية والجسدية.

ثالثاً: لابد أن نحافظ على التواصل الاجتماعي مع الآخرين الموثوق بهم، فهذا أمر ضروري في أوقات الأزمات، وله أهمية خاصة، ويمكن التعويض عن التواصل المباشر، باستخدام التكنولوجيا ( محادثات الفيديو، مكالمات الهاتف).

رابعاً: تقبل صعوبة الوضع الحالي، وأن هناك جوانب فيه خارجة عن سيطرتي، وأن يكون هناك علاقة سلام مع هذه الحقيقة. في المقابل هناك جوانب يمكنني التأثير من خلالها ( كأعمال التطوع، المساهمة بالتعليم عن بعد) وهنا من الضروري استخدام طاقتي وقدراتي وتركيزها على هذه الجوانب.

خامساً: الاعتناء بأنفسنا، وخاصة في هذا الفترة فهو ضروري جداً، فقد قلب الفيروس حياتناً 360 درجة، نسبياً بشكل مفاجئ، والاعتناء يكون هنا من خلال قسط كافٍ من النوم، العمل وفق نظام غذائي صحي، ممارسة الرياضة بشكل يومي، وهنا تنصح منظمة الصحة العالمية بمدة نصف ساعة رياضة يومياً. فهذه الأمور تقوي من مناعتنا الجسدية، ومن مناعة الدماغ ضد الضغوطات النفسية، وكذلك تجنب السلوكيات المضرة ( كالاستهلاك المفرط للكحول، أو أي مواد كيماوية، أو قضاء أوقات طويلة على شبكات التواصل الاجتماعي).

سادساً: خلال الأزمات قد تزاد مسؤولياتنا، لذا علينا تحمل المسؤولية، وعلينا أن ننظر إلى هذا الموضوع بشكل إيجابي.ونجعل منه حافزاً لنا لإنجاز شيء ما كالتواصل مع أفراد عائلتنا، وأصدقاءنا، وخاصة كبار السن منهم، أو الجيران في حال طلب المساعدة، وهذا الأمر على الرغم من أنه زيادة في المسؤولية، إلا أنه يُشعر المرء بأن ما زال لديه دور فعّال في المجتمع.

سابعاً: التقليل من التوتر من خلال تقنيات الرياضة، والاسترخاء، والتركيز على التقنيات التي تساعدني على التقليل من التوتر، وإذا لم يكن لدي قدرة على الوصول إلى هذه التقنيات، يمكن الاستفادة من المواقع وقنوات اليوتيوب الموثوقة التي تتحدث عن تجارب الآخرين في التقليل من التوتر.

ثامناً: الاستعداد  للعزلة: أي فكر في هذه الفترة كفرصة يمكنك فيها تشكيل يومك بطريقتك الخاصة. كرس الوقت للتفكير في ذاتك. رفه عن نفسك من خلال الكتب والألعاب أو عن طريق تعلم أشياء جديدة. تحدث إلى شريكك أو عائلتك حول ما يحدث.

تاسعاً: اطلب المساعدة في حالة الشعور في الضغط، وذلك في حال أصبح الذعر أو الاكتئاب لا يطاق فاتصل بالجهات النفسية المختصة. إذا كانت لديك أفكار انتحارية فاتصل بخدمات الطوارئ بمستشفى الطب النفسي على الفور.

عاشر التوصيات هي ما يتعلق بالأطفال، وهنا أريد التوسع أكثر كيف يمكن حماية الطفل من الضغط النفسي في هذا الوقت؟

بالتأكيد من الضروري الانفتاح مع الأطفال، حيث من واجب الأب أو الأم شرح الوضع الحالي بشكل مبسط، وعدم ترك الأمر لخيالهم، لأن خيال الطفل قد يخلق سيناريوهات مرعبة أكثر من الواقع، في المقابل على الأب أو الأم اختيار المعلومات الضرورية والتي يستوعبها عقله، فدماغ الطفل غير قادر على الاستيعاب كالبالغ أو الأكبر سناً. وفي ذات الوقت ألا أقدم له معلومات تتسبب بإرعابهم. فالطفل مدرك أن هناك تغير حصل، لكن لديه صعوبة في فهم مشاعره، مما قد يؤدي إلى سلوكيات غير سليمة كاختلاق المشاكل في البيت، أو أكل الطعام غير الصحي. فإذا ساعدته الأم أو الأب على فهم ما يحدث، سيتقبل بدوره الوضع ويتعامل معه بشكل سليم. وهذه مسؤولية الأم والأب بالدرجة الأولى. كما أنه من الضروري إظهار الحب للأطفال، وأننا موجودون لأجلهم، ومناقشة خطط الأسابيع القادمة معهم، من أجل زرع إحساس لديهم بأن الحياة مستمرة.

التخوف من زيادة الوزن بسبب الجلوس في المنزل، وزيادة استهلاك الطعام، هل هناك نصائح تتعلق بأطعمة تزيد من مقاومتنا للضغوط النفسية؟

بداية أنا لست خبيرة تغذية، لكن ما يمكنني قوله في هذا المجال أن البكتيريا في المعدة والتي تتأثر بنوع الطعام الذي نتناوله، تؤثر بشكل مباشر على الدماغ، وعلى المزاج النفسي، وبطبيعة الحال على صحتنا النفسية. فعندما أتناول طعاماً صحياً تتغذى هذه البكتيريا بشكل سليم، وبشكل صحيح وبناءً عليه تتحسن الصحة النفسية، فالدماغ ليس عضواً مستقلاً عن باقي أعضاء الجسم، أو عضو مسيطر عليها، بل له دور رئيس بشكل كبير ويبتفاعل مع باقي أعضاء الجسم.وأحد هذه المؤثرات في الدماغ هي البكتيريا التي تحدثنا عنها. بالإضافة إلى الدماغ تتأثر هرموناتنا بشكل كبير بالطعام الذي نتناوله، فضروري جداً في هذا الفترة أن نتناول الطعام الصحي.

Image by Pete Linforth from Pixabay