Image by Orna Wachman from Pixabay
6. أبريل 2020

لقاء حصري: تجربتي مع كورونا من الإصابة حتى الشفاء

مع أن أعداد الإصابة بفيروس كورونا لا تزال في ارتفاع مستمر، إلا أن عدد حالات الشفاء لا يزال متصاعداً أيضاً. الكثير من المصابين يتماثلون للشفاء بعد عدة أسابيع ليعودوا أصحاء ويمارسوا حياتهم الطبيعية كما في السابق، إلا أن معظم من أصيبوا بـ Covid-19 يقولون أن ما قبل الإصابة  ليس كما بعدها!

أسامة. ش (اسم مستعار)، شاب سوري جاء إلى ألمانيا قبل أربع سنوات، استقر في برلين، ويعمل منذ 3 سنوات موظفاً في أحد الفنادق، كمختص بمجال الأتمتة وهندسة الكمبيوتر. أسامة هو أحد الذين عايشوا الإصابة بفيروس كورونا، وتماثل للشفاء لاحقاً بعد أن بقي بالحجر الصحي لعدة أسابيع.. يقول إنها كانت تجربة قاسية، إلا أنه كان أقوى منها، وتجاوزها بالعزلة والصبر.. التقينا أسامة حيث أخبرنا كيف تعرض للإصابة، وكيف تماثل للشفاء لاحقاً من فيروس كورونا المستجد..

يوم إصابتي لن أنساه!

يقول أسامة: “بدأت القصة بتاريخ 11 آذار الماضي خلال يوم عمل اعتيادي، لم أكن أتوقع أن يحدث فيه ما حدث. في ذلك اليوم الذي أذكره جيداً، طلب أحد نزلاء الفندق، إصلاح مشكلة في اتصال الإنترنت بغرفته، وطلب المساعدة لحل مشكلة في جهازه الخليوي. الضيف لا يتحدث الألمانية ولا الإنكليزية بل يتحدث الروسية فقط، وبما أنني أتحدث اللغة الروسية تم ارسالي لمساعدته وحل المشكلة. عندما وصلت إلى غرفته وجدته جالساً مع زوجته وابنه، وكان يبدو عليه التعب أو أنه مريض، حاولت البقاء بعيداً عنه قدر الإمكان، لكنني اضطررت لأخذ جهاز الخليوي الخاص به من أجل حل مشكلة الإنترنت لديه، بعد أن أصلحت العطل؛ خرجت من الغرفة وقمت بتعقيم وغسل يدي، وبناءً على طلبه أُحضر طبيب إسعاف له. عندما جاء الطبيب دخلت معه للمساعدة بالترجمة، وبقيت معهما في الغرفة حوالي 15 دقيقة خلال المعاينة، بعد فحص المريض تم نقله إلى المشفى لأجراء الفحوصات اللازمة له! أنهيت عملي ثم ذهب للتسوق وعدت إلى المنزل بعض أن قابلت بعض الأصدقاء”.

إختبار إيجابي لفحوصات نزيل الفندق..

يتابع أسامة: في اليوم التالي للواقعة اتصل بي قسم الموارد البشرية في الفندق وسألوني إن كنت قد دخلت بالفعل إلى داخل غرفة النزيل المريض، فأخبرتهم بأنني زرت النزيل بالفعل في غرفته، سألوني أيضاً عن الفترة الزمنية التي بقيت فيها بغرفة النزيل، هنا بدأ الشك يدخل قلبي بسبب الاسئلة التي لم أكن معتاداً عليها خلال عملي. بعد أن أجبت على أسألتهم طلبوا مني مراجعتهم فوراً. استخدمت درج الفندق ونزلت إليهم حتى لا أقابل أحد من زملائي لأنني شعرت بأن الوضع خطير. وصلت إلى مكتب شؤون الموظفين فـأخبروني بالخبر الصاعق: “النزيل الذي ذهبت لتقديم خدمة تقنية له أمس، تم إدخاله إلى المشفى مباشرة، وأظهرت الإختبارات التي أجريت له بأنه مصاب بفيروس كورونا”. هنا كانت الصدمة الكبرى.. لم أكن أتوقع أبداً بأن الرجل سيكون مصاباً بالفعل بفيروس كورونا، لأن الأعراض التي ظهرت عليه خلال زيارتي له كانت خفيفة وتشبه الإنفلونزا العادية إلى حد ما! هنا بدأت الأسئلة تدور في رأسي وسألت نفسي فوراً: هل أصبت أنا بالعدوى؟

لم أعد أفكر إلا بالأسوأ..

بناء على تأكيد إصابة النزيل؛ طلبت مني إدارة الفندق أن أذهب إلى بيتي وأن أحجر نفسي صحياً لأنه من الممكن أن أكون قد اصبت بالعدوى، ولدى تواصل ادارة الفندق مع مكتب الصحة لمعرفة الإجراءات المحتملة أجابوا بأنني من المحتمل أن أكون مصاباً، لكنهم وضعوني في المرتبة الثانية من تصنيفات الإصابة الثلاث بالفيروس، وطلبوا مني أن أملأ إستمارة متعلقة بحالتي وأن أرسلها لهم، ما يعني أنه لن يتم إجراء إختبار كورونا لي إلا إذا ظهرت أعراض جلية بالإصابة. رفضت طلب الإدارة بالذهاب إلى البيت خوفاً من أن أكون مصاباً بالفعل وأن أنقل العدوى لزوجتي وأطفالي. بناءً على رفضي عرضوا علي أن أقيم في غرفة منعزلة بالفندق، وأن أعزل نفسي فيها حتى يتبين وضعي الصحي. اتصلت بزوجتي وأخبرتها بما حدث، لقد كان حديثاً مؤلماً وصدمة كبيرة بالنسبة لها. أخبرتها بأنني سوف أبقى خارج المنزل حتى لا تصاب هي وأطفالي بالعدوى، لكنها ذكرتني بأني قضيت ليلة بالمنزل بعد لقائي المريض، وأنه في حال كنت أنا مصاباً، فمن المحتمل أنني نقلت العدوى لهم فعلاً. أضافت زوجتي، بأن المشكلة ستكون أكبر إذا بقيت بعيداً عنهم في حال حصل طارئ ما معي أو مع أحد أفراد عائلتي، لأننا غرباء هنا، وليس لنا معيل أو قريب يساعدنا. في نهاية الحديث كان القرار بأن أعود إلى بيتي لأنه لا يوجد حل آخر أنسب! غادرت الفندق وأنا بحالة نفسية سيئة للغاية، وبصراحة اجتاح السواد حياتي فجأة، لم أعد أفكر إلا بالأسوأ وبشيئين لا ثالث لهما، هل سأموت قريباً؟ وماذا سيحل بزوجتي وأطفالي؟

عائلتي والوصية..

ركبت القطار متجها إلى بيتي، خلال الطريق اتصلت بصديق عزيز علي مقيم في هامبورغ وأخبرته بما حصل معي، لم أفكر كثيراً بما سيحدث لاحقاً، لذلك كان طلبي الأول منه أن يقوم بدفني على الطريقة الإسلامية في حال كتب الله لي أن أموت بسبب كورونا، وأنني لا أريد أن يُحرق جثماني. أخبرته أيضاً كيف يمكنه التواصل مع أبي وأمي المقيمين في بلدي الأم ليخبرهما بما حصل، وأوصيته بعائلتي التي سوف تصبح وحيدة إن حصل لي مكروه. لم أنتبه بأن المحادثة مسموعة للناس الذين حولي، إلا عندما شاهدت بأن بعض العرب ممن فهموا كلامي وهم يحاولن الإبتعاد عني! أنهيت الإتصال مع صديقي وبدأت أفكر بالكثير من الأمور التي يجب أن أفعلها، هنا مر شريط طويل في ذهني عن ذلك اليوم المشؤوم الذي قابلت فيه ذلك النزيل، وبدأت أتذكر الأحداث التالية لمغادرة الفندق. يا إلاهي.. ماذا فعلت؟ لقد قابلت بعض الأصدقاء وسلمت عليهم، هل أصيبوا؟ ازداد شعوري بالألم أكثر بسبب خوفي من أن أكون قد آذيتهم.

لأول مرة لن أعانق أولادي..

وصلت إلى بيتي، وعشت أصعب لحظات عمري خلال دخولي إليه، كانت المرة الأولى التي أدخل فيها إلى البيت دون أن أعانق أولادي كما كل يوم. زوجتي حضّرت كل شيء لي قبل وصولي؛ لكي أستحم وأبدل ملابسي وأعقم نفسي. وقفت بعيداً عني وأخفت دموع الحزن ومشاعر الخوف أمامي، كان موقفاً أصعب من الموت بحد ذاته. عانينا أنا زوجتي كثيراً قبل وصولنا إلى ألمانيا بدءاً من الهروب من سوريا، إلى الوصول إلى أوكرانيا مسقط رأس زوجتي، إلى أن استقر بنا المطاف في ألمانيا. لم نشعر بالإمان والاستقرار إلا خلال الأربع سنوات الأخيرة التي قضيناها هنا. لكن كورونا أكمل مصائبنا وبدد أحلامنا، فوقفت عيوننا حائرة، وساد الصمت خلال لحظات دخولي إلى البيت وكأنه الوداع الأخير!

لا رد على الخط الساخن..

مع بداية الشعور بالعدوى بدأت بالإتصال بالخط الساخن لمصابي كورونا، وكررت الاتصال عدة مرات يومياً لكن دون جدوى، الضغوط العالية على الخط حالت دون نجاح الاتصال، لذلك ارسلت لهم رسالة عبر البريد الإلكتروني وشرحت لهم ما حدث معي بالتفصيل. جاء الرد بضرورة البقاء في المنزل مع العائلة لمدة اسبوعين كاملين، ومراسلة مكتب الصحة بمنطقتي في حال استمرت الأعراض أو كان هناك شعور بالخطر. في ذلك اليوم ظهرت علي أعراض خفيفة للإصابة بالعدوى استمرت لأربعة أيام، لكن في اليوم الخامس بدأت الأمور تتغير، بدأت أشعر بألم في حلقي ثم بدأ السعال الحاد والجاف، كانت هذه هي المرة الأولى في حياتي التي أسعل فيها بهذا الشكل الحاد، وكان ذلك أسوأ ما حصل معي خلال إصابتي. شعرت بتجريح كبير في صدري، لذلك اشتريت بعض المواد الطبية من مواقع الإنترنت من بينها جهاز تنفس اصطناعي، وجهاز بخاخ رزاز وعلب اوكسجين صغيرة كنوع من الأمان. بالإضافة لذلك اشتريت أنواع كثيرة من الأعشاب الطبية التي يمكن أن تساعد في التخلص من الآلام.

شفيت أنا وأصيب أطفالي..

بعد أن بدأ السعال الحاد وآلام المجاري التنفسية، عرفت بأنني أصبت بالعدوى فعلاً، وأن الأمور ربما تذهب للأسوأ. لذلك أغلقت غرفتي وعزلت نفسي نهائياً وبدأت أنتظر المراحل الأصعب للإصابة. في اليوم الخامس ذهبت للنوم مساءً ورحت في سبات عميق. استيقظت فجأة بعد منتصف الليل، ووجدت ملابسي وفراشي مبللين بالكامل من العرق، وهنا كان الشعور قد تبدل وشعرت بتحسّن. في اليوم التالي توقف السعال الحاد، لكن آلام الصدر وضيق النَفس بقيت كما هي لعدة أيام أخرى. للأسف هنا بدأت آثار المرض تظهر على أطفالي، لكن زوجتي لم تصب بالعدوى والحمد لله. بعد ظهور الأعراض على الأطفال أخذتهم مباشرة إلى الطبيب الذي عاينهم عن بعد وكتب لهم دواء خافض حرارة ثم طلب إعادتهم والعناية بهم في المنزل. استمرت الأعراض والحرارة المرتفعة مع طفلي الأكبر لمدة خمسة أيام، وكانت الحالة الأصعب لديه هي صعوبة التنفس وخصوصاً في الليل. بالنسبة لطفلتي الصغرى كانت الأعراض مشابهة مع ارتفاع الحرارة والشعور بالتعب الشديد والألم الباطني وآلام الحلق، وأستمرت الأعراض لعدة أيام ثم بدأت تخف إلى أن شفي كلاهما والحمد لله.

استخدمنا منظفات الدارات الإلكترونية للتعقيم..

لم أخرج من المنزل خلال إصابتي، لكن زوجتي التي طلبت منها إدارتها في العمل أن تحجر نفسها معي بعد أن علموا بإصابتي، هي من كانت تخرج لتأمين مستلزمات البيت. أما أنا فقد بدأت بالخروج بعد أن تماثلت للشفاء، لكن للأسف بدون كمامات ولا واقيات لليدين، لأننا لم نجدها في الأسواق أبداً. ذهبت إلى قرى تبعد اكثر من 60 كم عن برلين للبحث عن معقمات لكن دون جدوى، وبسبب عملي في صيانة الكمبيوتر كان لدي مادة كحولية كنت أستخدمها لتنظيف الدارات الإلكترونية، وهذه هي المادة الكحولية الوحيدة التي تواجدت في المنزل، لذلك اضطررنا لإستخدامها كمعقم.

أزمة كورونا تسبّبت بخسارة عملي..

تواصلت معي إدارة الفندق لاحقاً للإطمئنان عن صحتي وأخبروني بأن الشخص الذي نقل العدوى لي في وضع حرج وأنه تم إجراء اختبارات لزوجته وإبنه وكانت النتائج إيجابية للأسف، لقد أصيبوا جميعاً بفيروس كورونا. تم إبقاء النزيل في قسم العناية المركزة في المشفى ولم تردني أي أخبار اخرى عنه. بعد ذلك طلبت الإدارة مني أن أرسل لهم مفاتيح مكتب العمل في الفندق، وحولوني إلى نظام ساعات العمل المختصرة “Kurzarbeit”، وأرسلو لي أوراق رسمية تثبت بقائي في العمل حتى شهر أكتوبر القادم فقط. الآن سأضطر للتسجيل بمكتب العمل، وهذا يعني بأن أزمة كورونا كانت سبباً في خسارة عملي، علماً بأنني موظف ولا أتلقى أية معونات من الدولة منذ العام الأول لوصولي إلى ألمانيا.

الخوف من نقل العدوى للآخرين سيطر علي..

أننا عائلة لاجئة ووحيدة في هذا البلد، كان أمراً أيجابياً خلال هذه الأزمة، لأننا استطعنا إغلاق باب بيتنا وحجر أنفسنا دون أن نستقبل أحد. فأنا واثق تماماً بأنه لو كان والديّ هنا لأتيا لزيارتي دون أن يكترثا لحجم خطورة الإصابة بالفيروس على صحتهما، خصوصاً أنهما مريضان وكباراً في السن. في الواقع لم أكن خائفاً من إصابتي بفيروس كورونا بقدر خوفي من أن أكون سبباً لنقل العدوى للآخرين والتسبب بموت أحدهم. السبب في هذا الشعور؛ هو أن الإعلام وحجم الأخبار الواردة حول الإرتفاع المستمر لعدد الإصابات بفيروس كورونا، أعطاني هذا الشعور وأثّر علي سلباً بسبب سيطرة الفكرة المنتشرة أنه قد يسبب الموت في حال الإصابة. أعتقد بأنه يجب على الإعلام نشر أعداد الوفيات وليس أعداد الأصابات، لأن التهويل عبر الأرقام الكبيرة للإصابات يؤثر على نفسية الناس أكثر من الوباء نفسه، كذلك يجب التركيز على الطرق التي تمنع الفيروس من الإنتقال للآخرين من خلال نشر التوعية والإرشادات الصحية، كي لا يسبب التهويل بحدوث عذاب النفسي للمصابين الذي يشعرون وكأنهم أصبحوا قنابل موقوتة وناقلة للعدوى القاتلة.. يجب أن لا نرفع من شأن الوباء ولا أن نقلل من خطورته أيضاً، بل يجب نقل الواقع الحقيقي فقط عن الوباء..

إيجابيات كورونا!

قبل إصابتي بالعدوى، كانت حياتي تقتصر على العمل بشكل دائم، وهذا ما منعني من إستخدم وسائل التواصل الإجتماعي ومعرفة ما يدور من حولي! الآن أنا أجلس مع زوجتي وأطفالي لفترات أطول، وأقرأ وأثقف نفسي وأتصفح المنصات الإعلامية، وأتابع الكثير من الأشياء التي لم يسبق لي مشاهدتها على يوتيوب، نفسيتي تحسنت بعد أن شُفيت أنا وأطفالي، وعدت لأعيش حياتي كما في السابق.. على الصعيد الشخصي كان لكورونا بعض الإيجابيات التي أثرت على حياتي الشخصية أيضًا والتي أفضل الاحتفاظ بها لنفسي فقط.

إلزم بيتك..

يختم أسامة حديثة لنا بالقول: إلغاء الفعاليات الاجتماعية والبقاء في البيت هو الأهم بهذه المرحلة لكي نحمي أنفسنا ونحمي غيرنا، وخصوصاً العائلات! كذلك يجب علينا أن نتأقلم مع القوانين الجديدة التي أصدرتها الحكومة وأن نلتزم بها، لأنها لصالح الجميع. بصدق نحن نعيش في بلد يحترم مواطنيه، وهو أفضل من العديد من الدول الأخرى خصوصاً فيما يتعلق بالمجال الصحي. لو قارنا حالنا الآن مع أحوال الناس في بلادنا، لوجدنا بأننا نعيش بوضعٍ أفضل بكثير من ناحية الأمان الاجتماعي وتوفّر المواد والحاجات الأساسية، ولا مجال للمقارنة أصلاً. هل تعلمون بأن عبارة “إلزم بيتك” تعتبر “كارثية” على حياة الناس في بلادنا العربية؟ نعم أقول كارثية لأن أول سؤال سيسأله من يطلب منه أن يلتزم بيته هو: من سيطعم أطفالي؟ حظر التجول في بلادنا مرٌّ جداً على الكثيرين، والإصابة بالعدوى أدهى وأمر، بكل بساطة لا يمكن وصف الحياة بعد عشر سنوات من الحرب إلا بالمثل القائل: “فوق الموتة عصة قبر”.

Image by Orna Wachman from Pixabay