Photo: Ahmad Said
22. مارس 2020

بارقة أمل من الصين وأنفاس محبوسة بإيطاليا!

“أنا الآن في الجيم، سأنتهي وأعود إلى المنزل وأهاتفك” هكذا قال لي أحمد سيد (32 سنة) بعد أن كتبت له لتحديد موعد لإجراء المقابلة عبر الهاتف. حسن، هذا مبشر جدًا فأحمد شاب مصري يعيش بمدينة Meizhou الصينية، هذا يعني ضمنيًا أن الحياة الطبيعية التي نعرفها عادت إلى هذه المدينة.

البداية في الصين

يروي أحمد بأنه أشيع في نهاية نوفمبر 2019 عن انتشار فيروس بمدينة ووهان، تارة يقولون سارس وتارة يقولون إنفلونزا خنازير، “خلال الأيام العشرة الأولى من ديسمبر سمعنا أنه كان فيروس غير خطير وتمت السيطرة عليه بسهولة، لكن شهد الثلث الثاني من الشهر تزايد أعداد الحالات ومع نهاية الشهر وصلت الأعداد في ووهان إلى العشرين حالة وبدأت الحكومة تنتبه بأنه هناك خطر ما بالمدينة، وعلى مدار يناير هذا العام كنا نسمع كل يوم بأن الأعداد في زيادة مستمرة”. يقول أحمد الذي يملك شركة شحن بالصين: “ثم جاءت احتفالات رأس السنة الصينية والتي ضمت ملايين من البشر ليخرج من ووهان فقط صبيحة ليلة الاحتفال حوالي 6 مليون شخص للسياحة داخل الصين وخارج الصين، وهنا كانت الكارثة”.

رعب الحجر الصحي

استمر الحجر الصحي بمدينة Meizhou مدة 40 يوم، الخروج فقط للسوبر ماركت، أطلقت الحكومة الصينية طائرات التحكم عن بعد للمراقبة ولإجبار الناس على ارتداء القناع أو العودة لبيوتهم، ورفع صوت التعليمات حال وجود أطفال في الشارع. يقول أحمد: “خوفي الأكبر كان بسبب زوجتي لأنها طبيبة وفي كل مرة كانت تعود للمنزل كان يتملكني الخوف”. لم تخلو المدينة من “الجهلة الذين كانوا يهاجمون محلات السوبر ماركت، بالإضافة للسوق السودا لبيع الأقنعة الطبية، لكن تتبع الدولة لهم وقيامها بحبس بعضهم وتغريم البعض الآخر أدى لتحسن الأمور”، يضيف أحمد: “لاحظت أن الناس هنا في الصين تتبع ما تقوله الحكومة يمين يمين.. يسار يسار”، وحول نشاطه اليومي خلال فترة الحظر، يقول أحمد: “القيام بأعمال المنزل والذهاب للسوبر ماركت، قمت بعمل الكثير من الفيديوهات لتوعية المصريين، وأصابني الملل فكنت أذهب للبحيرة أصطاد السمك ثم ألقيه مرة أخرى في الماء خوفًا من أني يكون مصابًا بالعدوى”. وفيما يتعلق بعمليات التسوق أثناء الحجر كان يتم الكشف بجهاز الحرارة على باب المتجر، العاملين بالمتاجر كانوا لطفاء حتى مع الأجانب بعكس ما حدث بعد انتهاء الأزمة”.

ما بعد الأزمة ورهاب الأجانب

مع تطور الأوضاع اختلفت فيديوهات أحمد التي ينشرها في حسابه على فيسبوك، حيث بدأت المحال التجارية في الظهور بخلفية التصوير، وأناس قليلون يتحركون جيئة وذهابًا، ويصف أحمد مدينته بالمحظوظة، حيث لم يصاب العديد من الأشخاص فيها، ووفقًا لأحمد فالإصابات الحالية تعود لأناس دخلوا البلد مؤخرًا سواء أجانب أو صينيين، وحول الأجواء في المدينة يقول: “رغم أن الحياة عادت للمدينة بنسبة 65% إلا أنه مازال هناك حذر شديد، وكل اكتشاف لحالة جديدة يعيد الناس خمس خطوات للوراء، فقد أصبح هناك خوف شديد من التعامل مع الأجانب، بل وصل الأمر إلى بعض التصرفات العنصرية، حيث رفض الحلاق أن يقص لي شعري وأخرجني من صالونه!”.

إيطاليا وتسارع الأحداث

في الأسبوع الأول من مارس طالبت الحكومة من المواطنين أن ترسم هذه الرسمه وتضعها على أبواب ونوافذ المنازل والمدارس والمؤسسات، مكتوب عليها “كل شيء سيكون على مايرام” لتصبح شعار المرحلة وقتها

الآن ننتقل إلى منطقة وسط ما بين الصين حيث بداية التعافي، وألمانيا حيث تصاعد الأمور، تقول صفاء عبد الرحمن من مدينة برجامو التابعة للومبرديا بإيطاليا بأن الأمور في البداية كانت هادئة تمامًا: “سمعنا أخبار بسيطة عن فيروس لكنه يبعد عن منطقتنا، وكانت الحياة طبيعية جدًا في المدينة، ولم يكن هناك أية إجراءات، ثم علمنا يوم 21 فبراير أن برجامو فيها حالة مصابة، ليلتها خرجت أسرتي للعشاء بالخارج، لنعلم في اليوم التالي أنه هناك حالات ظهرت في مناطق قريبة منا، وبدأ الإعلان عن المناطق الحمراء”، من هنا بدأ القلق لدى صفاء التي تعيش مع زوجها وطفليها بمدينة برجم لوفري، تروي صفاء أنه بعد تصاعد الموقف تم إغلاق المتاجر والمطاعم، لكن استمر الناس في النزول إلى الشوارع مع محاولة أخذ الاحتياطات من وضع الماسك واستخدام المطهرات، إلى أن وصلت الأمور إلى مرحلة لم يعد أحد يخرج من المنزل، “زوجي فقط يخرج وقد أخرج معه لشراء طلبات المنزل”.

الإغلاق التام

مع بداية مارس تم إغلاق كل شيء عدا السوبر ماركت والصديليات والمشافي، “أصبحت المدينة هادئة جدًا والتزم الناس في مدينتي تمامًا بإجراءات الحظر، المتاجر تفرض قبل الدخول تطهير اليدين ولبس القفازات والماسكات مع الحفاظ على مسافة بين الزبائن، لا يسمح سوى بدخول فرد واحد كل مرة، كل السلع متوفرة عدا الكحول والماسكات، حجز السلع أونلاين ثم الذهاب لاستلامها يسهل الأمور لكن علينا الانتظار أسبوع حتى يحين دورنا، خدمة التوصيل للمنازل متاحة ويقف عامل التوصيل على مسافة بعيدة جدًا ونمد أيدينا من بعيد للتسليم والاستلام، الشرطة بالشوارع دائمًا لأنه ممنوع الخروج بدون مستند يطبع من على الإنترنت ويكتب فيه بيانات الشخص وسبب النزول. الآن تم منع التنقل من منطقة لمنطقة داخل المدينة، وتم توقيف أخت زوجي لأنها كانت تقود في حي غير حيها، وطالبوها بشراء احتياجاتها من المتجر المجاور لمنزلها، كما تم منع التريض أمام المنازل مؤخرًا. ترى صفاء أن تفاقم الوضع في إيطاليا يعود إلى عدم الالتزام منذ البداية بإجراءات الحظر، ثانيًا أن نسبة كبيرة من سكان إيطاليا من كبار السن ويقومون بعمل كل شيء بأنفسهم وهو ما جعلهم عرضة للعدوى، ثالثًا الرعاية الصحية المجانية التي جعلت كل شخص يشعر بتوعك يهرع إلى الطبيب وهو ما زود الاختلاط وفرص العدوى بين الناس.

ملل ودراسة وخوف

تصف صفاء يومها بالممل، حيث أن الأسرة غير متعودة على هدوء المدينة السياحية التي اعتادت أن تشهد امتلاء شوارعها بالبشر، “نستيقظ صباحًا نتناول الفطور نشاهد روعة الطقس الربيعي فقط من الشرفات والبالكونات، أطفالي يرفضون الخروج حتى إلى الشرفة خوفًا من الفيروس، يتابع الأطفال دروسهم أونلاين، فهم مشغولون طوال اليوم بحل الفروض المدرسية ويتواصلون مع المعلمين، حيث أنه هناك حضور وغياب ، وبعد الانتهاء من الدراسة يلعبون لبعض الوقت ثم نشاهد التلفاز معًا بعدها نذهب جميعًا للنوم، وهكذا كل يوم. وتنهي صفاء: “الوضع صعب للغاية، والدة صديقتي توفيت فغسلها أبنائها وتركوها بالمنزل حتى خروج تصريح الدفن وتفتح الحدود ليدفنوها في بلادها”.