Photo: Epd / Bild attenzione
2020/01/22

ممالك الموت: لماذا يجب أن لا ننسى؟

“من واجبنا الحفاظ على ذكرى المحرقة نيابة عن جميع الذين قُتلوا حتى لا تحدث مثل هذه الكارثة مرة أخرى”.. هذه كلمات نافتالي فورست أحد الناجين من المحرقة ومن معتقل آوشفيتز، الذي تحيي ألمانيا هذه الأيام الذكرى الــ 75 على تحرير المعتقلين منه في 27 كانون الثاني/ يناير 1945. كلام فورست جاء أثناء افتتاح معرض (الناجون – وجوه الحياة عقب الهولوكوست) بمدينة إيسن الألمانية لإحياء ذكرى الناجين من الموت المحتم في مكان وُصف بأنه “جحيم أرضي”.

ليس فورست وحده الذي نجا من معتقل آوشفيتز،الذي تقول الإحصائيات الخاصة بمتحف المدينة أن عدد ضحاياه بلغ 1.1 مليون شخص، 90% منهم كانوا يهود. هناك عدد لا بأس به من الناجين مازالوا على قيد الحياة، حيث تسعى ألمانيا دائماً للاستعانة بهم للحديث عن تلك الحقبة، بهدف إطلاع الألمان الذين لم يعاصروا تلك الحقبة، على بشاعة العنصرية والتمميز التي مارسها النظام النازي آنذاك.

درس قاسي من ماضٍ أسود

اطلعت على الكثير من هذه القصص، التي تدمي القلب، وتظهر مقدار الألم الذي تسببت به فترة الاعتقال بأوشفيتز، والذي ترك أثراً لا يمحى في ذاكرة الناجيين، ومنهم فورست الذي شكرته المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل CDU أثناء كلمتها أمس في إيسن: “أنا ممتنة لكم ولجميع الذين لديهم القوة للحفاظ على الذاكرة حية”. هذه الذاكرة التي تسعا ألمانيا قدر الإمكان للاستفادة منها في التدليل على فظاعة التطرف، وبشاعة معاملة الناس حسب اللون والعرق والدين، والتي تمثل هذه الأيام أس بعض المنظمات اليمينية المتطرفة التي باتت تطفو على السطح مؤخراً في ألمانيا.

ليس معسكر أوشفيتز وحده الذي تحافظ ألمانيا على ذكراه، بل حافظت أيضاً على العديد من الأماكن والمعسكرات والمعتقلات التي كانت تستخدم لسخرة المدنيين وإذلالهم وحرقهم حتى، الأمر الذي جعلني أستفهم عن سبب المحافظة على مثل هذه الأماكن، مع أنها تمثل حقبة سوداء في التاريخ الألماني، لكن فيما بعد أدركت مدى أهمية الحفاظ عليها، خاصة أن اللجان المتخصصة بها تنظم رحلات مدرسية للطلاب إلى تلك المعسكرات، والسجون لحثهم على إلقاء نظرة على هذه المرحلة التاريخية، لتكون بمثابة درس يتعلمه الصغار، فيصبح حافزاً للحفاظ على الحياة الديمقراطية، والمتنوعة التي انتقلت إليها ألمانيا بعد نهاية الحرب العالمية الثانية.

مجرمون يقدمون خدمة العمر لمجرم آخر

هذا الأمر أعاد إلى ذاكرتي لحظة وصول خبر استيلاء تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” على سجن تدمر الصحراوي في سوريا. ربما بعض الألمان يعرفون عن تدمر تاريخها العريق، والحضارة والفن التدمريين، لكنهم لا يعلمون أن مجرد ورود اسم تدمر كان يثير الرعب والهلع بين صفوف السوريين، لما يرتبط بهذا الاسم من مجازر وانتهاكات ارتكبت بحق معارضين سياسيين، ومجموعات سياسية كانت تخالف نظام الأسد في سوريا.

الكثير من القنوات التلفزيونية، والصحف، ومواقع التواصل الاجتماعي عرضت قصص الناجين من “مملكة الموت والجنون” حسبما وصفها الناجي الكاتب فرج بيرقدار، وربما رواية “القوقعة” لكاتبها مصطفى خليفة الذي كان معتقلاً في سجن تدمر، الرواية التي تُرجمت للألمانية مؤخراً أوضح مثالاً على طبيعة هذا السجن الذي كانت الأقاويل تنسج حوله الأساطير بسبب السرية أحاطت به قبل 2011.

لكن داعش قام بهدم سجن تدمر، ليقدم بذلك وفقاً لناجين من السجن خدمة جليلة لنظام الأسد، ويطمس معالم مكان شهد على آلام وصرخات المعتقلين هناك، حتى أن هدمه ترك أثراً سلبياً بالغاً لدى الناجين، منهم ياسين حاج صالح الذي رأى في هدم سجن تدمر الذي كان يرمز للعبودية تحطيم “لحريتنا” حيث كان صالح الذي قضى هناك عاماً واحداً، يحلم بزيارة سجن تدمر ليحرره بحسب قوله لموقع BBC بالعربي.

بالنظر إلى أوشفيتز والحفاظ عليه، والتكاليف الباهظة التي يتم دفعها لترميم وصيانة المبنى ومحتوياته من أكوام الملابس والشعر والأحذية، مقابل هدم سجن تدمر ومحو المكان بتفاصيله كلها، يتضح مدى استهتارنا بالتعامل مع الذكريات المؤلمة، فهناك من يتعامل معها على أنها درس يجب الاستفادة منه مستقبلاً، وهناك من يتعامل معها على أنها تهمة يجب التخلص منها حتى لا يبقى دليل واحد على جرائم نظام انتهك كل القوانين بحق شعبه في سوريا.. لكن ذاكرة الناجين هي النبراس الوحيد الذي يضيء نهاية نفق لا نعلم من نصل إليها!

Photo : Epd / Bild attenzione