pixabay.com
17. نوفمبر 2019

الشراء من روبوت.. مشروعية إحلال الآلات مكان البشر!

أول مرة علمت أنه يمكنني المحاسبة بنفسي على مشترياتي في متجر Rewe شعرت ببعض الضيق، فلن يتحتم علي الذهاب بعد ذلك إلى المحاسب، وإذا نجح الأمر فأين ستذهب كل هذه العمالة؟ هل سيتم الاستغناء عنهم بكل هذه البساطة لمجرد أنه هناك آلة يمكنها آداء عملهم وبطريقة أسرع؟ هل سيعيد أصحاب رأس المال توظيف هؤلاء العمال في مواقع أخرى مع تقليل رواتبهم؟ كيف يمكنهم أن يعيشون برواتب أقل إذا كانوا بالكاد ينجون براتب كامل؟

إبتسامة الإنسان أم الروبوت؟

أحب عندما يقول لي المحاسبـ/ ـة: Hallo أو Guten Tag بينما يودعني بــ Auf wiedersehen أو Schönes Wochenende، وبعد يوم طويل من العمل المتبوع بصف اللغة تعد ابتسامة المحاسبة بمحل Penny أحد الأشياء التي تحسن مزاجي، خاصة مزاحها أحيانًا مع الزبائن بالإضافة لضغطها على حرف الراء بينما تقول للزبائن إجمالي سعرالمشتريات، ودائمًا ما يكون المبلغ المطلوب أو حتى المتبقي به رقم ثلاثة مكرر. أحب طلب المساعدة من البائعة في متاجر Rossmann وdm عندما لا أجد ما أبحث عنه، فترشدني إلى مكان الرفوف المخصصة لذلك، ففي الأمر شيء يشعرني بوجود البشر، بحتمية وجودهم، وبأنهم باقون، وجودهم يطرد عني كابوس المدينة المهجورة إلا مني ومن أصوات صفير الأبواب.. ذكرت لي زميلتي بأن نقاشا حول وجود الروبوت في حياتنا كان أحد أسباب قطع علاقتها بصديقتها في تسعينيات القرن الماضي لظن صديقتها بأنها تميل أكثر من اللازم للتكنولوجيا على حساب الإنسان، بينما ظنت زميلتي أن هذا سيكون من شأنه تسهيل حياة البشر بشكل كبير، لنرى إذن..

ما هو الأفضل للإنسان؟

يمكننا الآن إجراء العديد من المعاملات دون الاحتياج إلى إنسان، الآلة تقوم بهذا العمل عنا جميعًا، فأصبحنا نجري المعاملات البنكية من خلال الإنترنت أو في أسوأ الأحوال من خلال آلات الصرافة المنتشرة بالشوارع، وبالفعل ساعدنا ذلك كثيراً، لكن أن تطلب من روبوت أن يُبيعك شيء ما! كان علي أن أجربها، لذلك ذهبت لمتجر كونراد للإلكترونيات لأشتري مصباحًا من كابينة الروبوت، كان علي أن أقوم بالاختيار بواسطة شاشة تستخدم للدفع أيضاً، بعدها يبدأ الروبوت وببطء شديد بتنفيذ الأمر، كان الأمر مملا للغاية وفيه مضيعة للوقت، بالإضافة لشعور غريب بالوحدة سيطر علّي لتخيلي أنه قد يحدث يومًا ما أن يمر يومي دون رؤية البشر!

بغض النظر عن منفعته، سيظل الحديث عن أخلاقية إحلال الروبوت مستمرا حتى يصبح الروبوت جزء لا يتجزأ من حياتنا شأن الكثير من منتجات الذكاء الاصطناعي، لكن نقاش كهذا وأخلاقيته، هل يجب أن يؤدي إلى وقف تطوير الآلة وإحلالها محل الإنسان؟ وهل الأفضل للإنسان نفسه استمراره في وظائف يمكن لآلة القيام بها؟

تطور الإنسان والتكنولوجيا

إن تطور الإنسان بلا شك ارتبط بتطور وسائل الإنتاج ووسائل المعيشة منذ مراحل ما قبل التاريخ المكتوب، حتى وصل للإنسان الذي نحن عليه الآن، استطاع الإنسان على مر العصور تطويع الطبيعة وكل ما أتيح له من وسائل وأدوات تمكنه من المشي في البراري وركوب البحر والطيران في السماء، وكل المحاولات بدأت بتخوفات وإخفاقات وانتهى الأمر بانتصار الإنسان بمنظور أو بآخر.

هل العمال سعداء بعملهم؟

كثيرا ما أفكر هل بالفعل العاملين ببعض المهن (ولا أتحدث هنا عن العمال بشكل عام) سعداء بمهن استهلاكهم فيها ينهي أعمارهم ويقضي على أحلامهم؟ وهل يعني البائع أو المحاسب الابتسامة المرتسمة على وجهه أم أنه مجبر عليها؟ ما أراه أحيانا أن السوق ومنظومة السوق وسعادتي الوقتية كشخص استهلاكي هي من تجبر الناس على الابتسام عندما لا يريدون، تجبرهم على البقاء في وظائف تأكل أعمارهم بينما لديهم تطلعات وأحلام أخرى.. نعم قد يكون هذا هو الأمر، فالمبدأ المبتذل المسمى بـ “الزبون دائمًا على حق” لا يدفع ثمنه المستغلين من أصحاب رأس المال، لكن يدفع ثمنه العمال في سبيل إرضاءنا نحن الزبائن.

الدخل الأساسي والآلة؟

لنفكر بشكل مختلف بعض الشيء، كأن يكون من الأفضل إحلال الآلة محل الإنسان في تلك الوظائف التي يمتهنها البشر فقط لأنهم مجبرون؟ ولكن ذلك لن يوقف معاناة أولئك المنسيون وراء لافتات التقدم ممن سيتعثر عليهم إيجاد مكان في عالم لم يكونوا مؤهلين لخوض غماره وتحمل نتائج التخلي عنهم، لكن أظن أن عالم استطاع الوصول لرفاهية إحلال الذكاء الاصطناعي محل الإنسان، سيكون لديه القدرة على توفير قدر معقول من سبل المعيشة لهؤلاء المنسيون وليكن هذا القدر المعقول ما نطلق عليه الدخل الأساسي، ومن ثم توجيه هذه الطاقات البشرية لأعمال أكثر نفعا للإنسانية! أما فيما يتعلق بقضية الدخل الأساسي فاللحديث بقية..

فيديو الشراء من الروبوت في برلين

Photo: pixabay.com