Photo: pixabay.com
2. نوفمبر 2019

قمرية.. صوت المرأة ثورة

يتظاهر عشرات الآلاف من اللبنانيين واللبنانيات منذ 17 أكتوبر الماضي في عدد من المدن احتجاجا على الضرائب التي أعلنتها الحكومة، والتي تفرض مزيداً من الأعباء الاقتصادية على المواطن، من خلال رفع تسعيرة البنزين والتبغ، إضافة إلى استحداث ضريبة على استخدام تطبيقات المكالمات الهاتفية عبر الإنترنت وخاصة (واتس آب).

وبرز دور المرأة اللبنانية في الاحتجاجات بوضوح، بمشاركتها في الميادين، وكانت أكثر الصور انتشارا تلك التي تظهر فيها فتيات يحملن شعارات مختلفة ويطالبن بالإصلاحات وبرحيل القيادة الحالية للبلد. لم تمنع الانقسامات الطائفية اللبنانيين من التوحد، وكما شارك اللبنانيين من مختلف الطوائف في المظاهرات، شاركت أيضا نساء وفتيات من طوائف مختلفة، جمعتهن نفس المطالب.

مشاركة المرأة اللبنانية في المظاهرات أثارت الكثير من الجدل في مواقع التواصل الاجتماعي وصل حد التنمر والتحرش الاليكتروني، البعض تحرش بشكل فكاهي وساخر، كرجل الأعمال المصري نجيب سويرس الذي كتب: (قاعد بتفرج مظاهرات لبنان وأول ما مراتي دخلت حولت على حرب اليمن)! هذه التغريدة أثارت موجة من الغضب في الشارع اللبناني وردت نساء لبنانيات بمنطق واعي حين قلن إن مثل هذه التعليقات تنم عن جهل بما يعانيه اللبنانيين، وتهدف إلى حرف مسار الثورة والاستخفاف بالمطالب والتعامل مع حضور المرأة كجسد.

لم يكن هذا الزخم النسوي مفاجئًا، فمنذ اندلاع ثورات الربيع العربي التي شهدتها تونس واليمن ومصر وسوريا وليبيا عام 2011، كانت النساء الحامل الأكبر لمطالب الثورة بل ومن اطلق شرارتها الأولى في معظم بلدان الربيع العربي،

لكن يتشابه رد الفعل في المجتمعات التي لها إرث ثقيل من الذكورية المفرطة، ففي اليمن برغم أن مجتمع الثورة لم يكن يرفض حضور المرأة، إلا إنه تم توظيف الخطاب السياسي للنظام السابق عن طريق الإعلام الرسمي للنيل من المرأة، وقد نجح الى حد ما في ذلك، فإلى جانب تعرض عدد من الناشطات المشاركات في الثورة للتهديد والضرب، تم تهميش دور النساء، إثر استجابة أحزاب شريكة في الثورة (أحزاب دينية) لما صرح به الرئيس السابق صالح، عندما تحدث عن ما أسماه “الاختلاط في الساحات” وقامت بعمل حواجز خشبية، وسعت للحد من حضور النساء.

وفي مصر كانت النساء الأكثر تضررًا، فقد تعرضت عدد من المشاركات في بعض التظاهرات التي أعقبت ثورة 25 يناير للاغتصاب والتحرش، وفي 10 مارس 2011 داهمت قوات الجيش المصري اعتصاما في ساحة التحرير واعتقلت عشرين امرأة، تم إجبارهن على الخضوع لإجراءات كشف العذرية! وبرر أحد قيادات الجيش بأن هذا العمل لحماية أفراد الجيش من أي تهمة اغتصاب!

النساء في سوريا لم يسلمن أيضا من الابتزاز، تعرضن للاعتقال والتهديد، وهناك تقارير حقوقية تتحدث عن اغتصابات حصلت لنساء معتقلات في سجون نظام الأسد!

حرف مسار الثورات والمطالب الشعبية التي تخرج من أجلها الشعوب بالنيل من النساء أمر مثير للسخط، حتى عندما يتم ذلك بدون وعي أو بدون قصد، ففي احتجاجات لبنان تناسى الشارع العربي أهم ما يميز هذا الحراك، وهو تجاوز الاختلافات الطائفية وكيف استطاع شعب ينتمي لبلد يحوي 18 طائفة أن يوحد شعاراته ومطالبه، بكل هذا الوعي والادراك بحقه في الحرية والعيش بكرامة، وظلت المرأة (كجسد) هي موضع النقاش.

إن خروج النساء بهذا الكم الملفت، وقيادتها للمسيرات، وكتابة الشعارات، والمطالبة بإسقاط الأنظمة الدكتاتورية، يعبر عن رغبتها القوية في اسقاط الكثير من المنظومات، التي تقيدها وتحد من حضورها، وعلى إرث ثقيل من التمييز ضد النساء، كما أنها صرخة في وجه المجتمع الذكوري، الذي يعطي نفسه الحق بأن يكون متحكم بأبسط حقوقها في مقومات الحياة، وفي وجه الأعراف التي تجعل المرأة مجرد متعة لرجل، مسلوبة الحق في الاختيار والإرادة!

وبغض النظر عن تناول حضور النساء في ميادين الثورات بشكل عام، ابتداء من تونس مرورا باليمن انتهاء بالبنان حالياً، إلا أن النظرة الدونية هي العامل المشترك، والذي من خلالها تضرب النساء سواء تلك التي خرجت منقبة أو المتحررة، لكن هناك اختلاف فقط في صيغة القدح.

مشاركة النساء العربيات في الثورة بفعالية يخبرنا أنهن سئمن العيش تحت تلك الصور النمطية التي تظهر النساء خاضعات وتابعات؛ ومع ذلك يجب أن أنوه هنا إلى أن نضال المرأة العربية ممتد عبر التاريخ، ومشاركتها الفاعلة في الشأن العام أيضا ليس أمرًا جديدًا، غير أن الجديد في الأمر هو العدد الهائل من النساء المشاركات بفعالية والمدركات لحقوقهن.

Photo: pixabay.com